صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3993 | الإثنين 12 أغسطس 2013م الموافق 13 ربيع الاول 1445هـ

تجربة أسرة في عدم الكراهية

الكاتب: Common Ground - comments@alwasatnews.com

يندر أن تفتح صحيفة هذه الأيام دون أن ترى قصصاً عن العنف العابر للخطوط الدينية والإثنية. يقضي العديد من العلماء عمرهم يتساءلون لماذا يصبح الناس عرضة لهذا الحقد. ولكن ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو لماذا لا يشعر كثيرون منا بالحقد؟

عندما يعود الأمر إلى أسرتي: كانت علاقة شخصية واحدة كفيلة بأن ترفض بشكل كامل إدانة الجاليات الأخرى.

عندما وصل والداي إلى الولايات المتحدة من باكستان قبل ما يزيد على ثلاثين سنة، لم يكونا قد قابلا يهودياً من قبل. كان منظورهم الكامل للشعب اليهودي قد تشكّل بفعل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والطرح السلبي الذي استخدمه رجال دين مسلمون في باكستان.

وصل والدي إلى الولايات المتحدة أولاً تاركاً وراءَه زوجة وطفلة حديثة الولادة. اكتشف، وهو طبيب بيطري يملك الخبرة، ورئيس حديقة الحيوان الوطنية في باكستان، أن فرص عمله الفورية محددة في وظائف مختلفة لا تتعلق بمهنته. احتاج الأمر إلى سنة تقريباً قبل أن يحقق قدراً محدوداً من الاستقرار المادي حتى نتمكن أنا ووالدتي من الانضمام إليه في أميركا.

كانت السنتان الأولتان صعبتين مادياً، كما هو الحال بالنسبة للأسر الصغيرة والمهاجرين الجدد، حيث لم يتمكن أي من والداي من العمل في مهنته. بالصدفة، سنحت الفرصة لوالدي ليعمل مع كيللر، وهو طبيب بيطري كان ينوي التقاعد قريباً.

بدأ والدي العمل في فترة المساء للمرة الأولى كطبيب بيطري في ضاحية بوتوماك الفاخرة بولاية ميريلاند قرب العاصمة واشنطن. وعندما علم كيللر أن التنقل يومياً من فرجينيا، حيث كنا نقيم في شقة صغيرة، صعب على والدي، عرض علينا منزلاً مجاوراً يملكه للإقامة فيه.

انتقلنا أخيراً، بفضل رقة هذا الرجل اليهودي الأميركي المسّن إلى أول منزل لنا، ودخل والدي عالم الطب البيطري في أميركا. كانت تلك أول مواجهة لوالديّ مع يهودي، ولكنها كانت كافية للتغلّب على الخوف والشك اللذين ربما حملاهما من باكستان وشكّلا إلى الأبد مشاعرهما تجاه اليهود.

لم يكن لهذا كله أن يحصل بالطبع لولا مساعدة صديق والدي العزيز من أيام الدراسة الجامعية، وهو مسيحي اسمه إيمانويل غولاب. قام العم غولاب، كما أسميته طوال عمري، بكفالة تأشيرات الإقامة. تشكّل هذه الصداقة الحميمة بين مسلم ومسيحي في باكستان قبل عقود عديدة شهادة على أوقات أكثر تسامحاً ولطفاً في تاريخ تلك الأمة.

تمتلئ ذكريات طفولتي بأعياد ميلاد قضيناها مع أسرة غولاب، ومع أفضل صديقة لي هي شوبنوم ابنة العم غولاب. أتذكر بالمثل اجتماعنا معاً أثناء شهر رمضان وعيد الفطر في منزلنا، ومعهم ومع عائلات أخرى من الجالية الآسيوية الجنوبية الناشئة في ولاية ميريلاند. كانت أسرة بيلاني، وهم هندوس من ولاية السند، تعمل على حماية وإنقاذ أسرة جيرانهم المسلمين في كراتشي أثناء انقسام عام 1947 بين الهند وباكستان، كانت حاضرة دائماً في حلقاتنا الاجتماعية. وعندما كنا نقوم بزيارة منزلهم، كانوا يشترون اللحم الحلال بشكل خاص لنا، وكنت أحياناً أتسلل إلى غرفة ابنهم لأتصفح كتب الأطفال حول العقيدة الهندوسية.

كانت تلك هي طفولتي، وهي قصة مهاجري ما قبل الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول 2001 الخالية من الخوف والحقد تجاه الآخرين. ومع نمو جالية المهاجرين من جنوب آسيا، ووصول مسلمين ومسيحيين وهندوس باكستانيين آخرين، تفرّقنا كلّ في جاليته وفقدنا جاليتنا المثالية التعددية. إلا أن احترامنا وحبنا لبعضنا بقيا، واستمر بنا الحال على صلة نحضر أفراح بعضنا، وللأسف، أحزاننا.

أشعر بالسعادة لأن نشأتي عبر الديانات شكّلت درساً حقيقياً لما يعلّمه الإسلام حول العلاقات بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى. فمن وثيقة المدينة إلى رسالة النبي محمد (ص) إلى دير القديسة كاثرين، التي وفّرت الحماية لرهبان الدير وجميع المسيحيين من أي شخص يحاول إيذاءهم، شكلت حياة النبي محمد شهادة على علاقات الاحترام بين المسلمين واليهود والمسيحيين.

لا أستطيع أن أؤكد بشكل كاف، الأثر الذي يمكن للعلاقات البسيطة أن تتركه على تحطيم المخاوف الشخصية من الآخر. لقد جعلت التفاعلات الإنسانية الأساسية مع غير المسلمين من غير الممكن بالنسبة لي أن أكره أي شخص بسبب دينه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/800215.html