صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3993 | الإثنين 12 أغسطس 2013م الموافق 19 ذي القعدة 1444هـ

حمار «الحكيم»... وحمار «السيد»

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

الحمير لها أفضال علينا وعلى مجتمعنا، وهي – أي الحمير - وإن تضاءل دورها الخدمي بشكل تدريجي بفعل ظهور السيارة وانحسار النشاط الزراعي كمصدر من مصادر الدخل في الربع الاخير من القرن الماضي، إلا أن تاريخها المجيد في خدمة الانسان والمجتمع البسيط غير منكور.

استخدمت الحمير كوسيلة مواصلات، كما استخدمت لحمل ونقل البضائع، كما كانت خير معين للفلاحين في مزارعهم والصيادين في رحلات الصيد البحرية الى «الحظور»، كما استخدمت حتى النصف الاول من القرن الماضي في نقل المسافرين الوافدين من السفن الى اليابسة، في الربع ميل الاخيرة من البحر الى الساحل عندما يكون ماء البحر جزراً.

والقرآن الكريم ذكر الحمار، فيما تتبعت، مرتين، مرة عندما ذم اليهود الذين أُعطوا التوراة ليعملوا بها ولم يعملوا (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) والاخرى في قوله تعالى (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْت الْحَمِير) وقالت العرب: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير.

وقد اتخذ الاديب الكبير توفيق الحكيم من الحمار مادة لروايته الشهيرة (حمار الحكيم) في أربعينيات القرن الماضي، فصور بأسلوب شيق وبسيط أوضاع الريف المصري.

يقول كمال الدين الدميري (ت 808هـ) في كتاب (حياة الحيوان الكبرى) وكنية الحمار أبوصابر وأبوزياد. قال الشاعر:

زيادٌ لستُ أدري من أبوه

ولكن الحمار أبو زيادِ

ويقال للحمارة أم محمود وأم تولب وأم جحش وأم نافع وأم وهب».

ويوصف بالهداية الى سلوك الطرقات التي مشى فيها ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه أقوال متباينة بحسب الاغراض كما يقول الدميري.

وكان الشاعر البصري الفضل بن عيسى الرقاشي (ت 200هـ) يقول بعد أن سئل عن ركوبه الحمير «انه أقل الدواب مؤنة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتقى».

قال الزمخشري «الحمار مثلٌ في الذم الشنيع والشتيمة، ومن استيحاشهم لذكر اسمه انهم يكنون عنه، ويرغبون عن التصريح به، فيقولون الطويل الاذنين، كما يكنون عن الشيء المستقذر، وقد عدّ من مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم ذوي مروءة، ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافاً وان بلغت به الرحلة الجهد».

وعندما زار الرحالة الهندي (سي ام كرستجي) منطقة الخليج أثناء الحرب العالمية الاولى في عام 16 – 1917 ودوّن ملاحظاته الشخصية بتفاصيل دقيقة عن المنطقة، جاء على ذكر تفاصيل شيقة عن الحمير في البحرين «ويمثل الحمار هنا كما في بقية أنحاء الخليج وسيلة عامة للنقل والتحميل وهو حيوان نافع مثله مثل الخنزير في ايرلندا يرد لصاحبه جميع نفقات تربيته وإطعامه». ويذكر أنه لم يشاهد أثناء وجوده في البحرين أية خيول لكنه شاهد القليل من الابل، ومن المعروف أن الناس الميسوري الحال هنا يمتلكون العديد من الجياد، ويؤكد أن الحمار في البحرين كان يعد في تلك السنوات نوعاً من المقتنيات الثمينة.

وتكثر القصص والمرويات الشفهية عن دواب علماء الدين والصالحين، وتنسب لهم صفات تختلط فيها الحقيقة بالمبالغة، لكنها على أي حال تعد جزءا من الذاكرة الجمعية للمجتمع، ومما يروى أن الناس كانت فيما سبق تستعد لأداء صلاة الجمعة اقتداءً بالشيخ خلف العصفور (ت 1936) بجامع رأس الرمان منذ يوم الخميس، فيستخدمون العبّارة ثم يستخدمون الحمير، فتكثر الحمير قرب الجامع، ومن عادة الحمير إذا نهق أحدها نهق الباقون تبعاً له، والطريف في الامر ان الحمير تُمسك عن النهيق مادام الشيخ خلف يخطب ويصلي، فإذا نهق الحمير كلهم عرفت النساء أن الشيخ لتوه قد فرغ من الصلاة.

يذكر أيضاً أن الزعيم الديني السيد أبوالحسن الأصفهاني (ت 1945) كانت له حمارة من أشهر ما يعرف تاريخ الحمير في النجف، فقد كانت حمارة حساوية بيضاء جميلة تعرف وقت الصلاة، وتعرف أين تقف في الطريق والسيد فوق ظهرها، وتعرف حين وصولها الى باب الصحن أين هي من باب الصحن، ولما ماتت هذه الحمارة اجتمع حولها الاطفال والنساء وبدأوا يسحبونها بالحبال الى خارج المدينة، وكلما اجتازوا مسافة انضم اليهم أبناء محلات أخرى وكانوا يهجزون، وكانت الأهزوجة:

وداعة الله يا جحش والينا

هاي هيه يو بعد تلفينه

ومن أشهر الحمر التي يعرفها تاريخ الحمر في النجف – على ما يروي جعفر الخليلي - كانت حمارة الملاية وحيدة وهي امرأة شاعرة كانت تضطر لركوب الحمارة لكثرة مجالسها فاشتهرت حمارتها بالنظر لشهرة الملاية وحيدة، واشتهر مملوكها الزنجي وعرف بين أوساط الناس عن طريق هذه الحمارة التي كان يتعهدها هذا العبد ويأخذ برسنها كلما خرجت الى بيوت العزاء.

وفي النجف أيضاً، كان للميرزا جواد الطبيب حمارة كان لها جحش ظل حديث الناس زمناً طويلاً وذلك أن بيت الميرزا جواد الطبيب كان ملاصقاً لبيت الزعيم الديني الشيخ حسن المامقاني فكثيراً ما كان هذا الجحش يفلت من بيت صاحبه الطبيب فيدخل بيت الشيخ المامقاني في أثناء إلقائه الدرس على طلابه، وكثر هذا الانفلات فأرسل المامقاني على الميرزا جواد الطبيب وقال له مازحاً:

يا سيدي الميرزا، ويا جاري العزيز، لِمَ تترك ابنك (يعني الجحش) ليعيث عندنا فسادا؟

فرد الطبيب عليه مازحاً: لقد سعيت كثيراً أن أخرج منه طبيباً فأبى إلا أن يكون عالماً روحانياً؛ فما العمل يا سيدي؟

رحم الله تلك الايام التي كانت فيها الحمير أشفق وأكثر انسانية على الانسان من بعض بشر اليوم.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/800216.html