صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3993 | الإثنين 12 أغسطس 2013م الموافق 14 ربيع الاول 1445هـ

ليطمئن الكيان الصهيوني

الكاتب: محمد حميد السلمان - comments@alwasatnews.com

لم يمر زمان منذ العام 1948 وحتى اليوم على هذه المنظومة الأممية المسماة «الوطن العربي» بدوله المشرقية والمغربية كهذا الزمان الذي تتسابق فيه الكيانات السياسية ضمن هذه المنظومة في البحث عن أفضل السبل وأيسرها للتخفيف من الخوف والقلق الصهيوني اليومي على مصير كيانهم اللقيط؛ بل والتعاون معه، في أروع نكات الموسم، من أجل محاربة الإرهاب! كما حدث في سيناء مؤخراً، أو إسقاط بعض الأنظمة العربية المقاومة لوجود هذا الكيان السرطاني المزمن.

عذراً، على هذه المقدمة المباشرة التي لم يتعودها القراء مني، لكن مقتضي الحال المزري تطلب ذلك، حيث لم يعد هنا مجال للألغاز. فإذا لم نعِ شعار العصر الغربي «تأمين مصادر الطاقة والحفاظ على أمن وتفوق إسرائيل!»، وتنفيذ هذا الشعار بشتى السبل تحت مظلة مشروع الشرق الأوسط الكبير وأهدافه التي يتحكم بتركيبها «العم سام» تحديداً؛ فإننا لن نفهم اللعبة الخطرة التي دخلها البعض برضاه ولكنه لا يعلم نهايتها الحقيقية عندما تعلن المكنة الغربية الإلكترونية «game is over The».

فلم تمر حقبة سوداء على هذا الوطن كهذه التي أدخلنا فيها «التكفيريون» ومن يساندهم، بحيث أضحت مقاتلة الجيوش العربية القوية، وليس الكيان الصهيوني، سواء في العراق، أو سورية، أو مصر، بعد تدمير القوة الليبية؛ هي البرنامج اليومي لخطابات وآليات التنفيذ لجماعات القتل والذبح لكل ما هو عربي ومسلم مقاوم أو مناهض للفكر الصهيوني وآلته التدميرية «الكيان الغاصب لأرض فلسطين».

وللعلم كان من المفترض، بحسب الخطط الأميركية الغربية، أن تقوم الآلة العسكرية الصهيونية بهذا الدور، لكن الأمر بدا صعباً منذ تسعينات القرن الماضي. فبدأت اللعبة الخطرة بافتعال غزو عراق البعث للكويت ليكون تدمير الجيش العراقي بيد حلف دولي وليس بيد الكيان الصهيوني. وهذا ما تم وفق اللعبة الخطة وساهم فيها من فقد البصيرة تماماً في ربوع المنظومة العربية.

ثم وضعت خطة أخري منذ العام 2007 ولسوف تستمر حتى العام 2027 بدعم الكيان الصهيوني بمعونات عسكرية أميركية فائقة التقنية بمبلغ يتجاوز 4 مليارات دولار سنوياً، والمدهش أن الخطة الأميركية تمت إعادة برمجتها بعد اطمئنان الغرب لوصول «جماعة الإخوان» لحكم أكبر دولة عربية ذات جيش قوي حتى الآن. فكيف تحولت جماعات الإخوان والسلف والتكفير لحالة اطمئنان تام للغرب والكيان الصهيوني متى ما وصلت لحكم الكيانات العربية، حتى صار السعي لتثبيتها في مصر والحشد الكبير مالياً وعسكرياً وإعلامياً لزرعها في سورية في الخطوة التالية، ثم ليبيا، واليمن، والعراق وتونس، وهكذا حتى تصبح معظم الدول العربية، ذات صبغة إخوانية في الحكم. مع العلم بأن حركة الإخوان التي برزت في المشرق العربي على يد البنا ورفيقه الحسيني عملت منذ بداياتها على مقاومة الصهيونية وأعلنت الجهاد في وجه «المحتل الإنجليزي واليهود» لفلسطين، منذ العام 1931 بعد ظهور مؤتمر العالم الإسلامي وإنشاء أول جمعية إسلامية اعتبرها اليهود في فلسطين تهديداً مباشراً لهم، وهي جمعية «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ومقرها القاهرة.

هل تعرفون لماذا كل هذا؟ وكيف يلتقي فكر وهدف أصحاب دعوة إسلامية ضد الصهيونية، ونداءات «جيش محمد سيعود» مع مصالح الغرب والصهيونية العالمية في المنطقة؟

ابحث عن ثلاثية (النفط، والسلطة، والدين) التي جعلتها الخطط الغربية أس تحركها لمستقبل المنطقة. فالمنظومة العربية ستنتج من الآن وحتى العام 2027 نحو 53 في المئة من إنتاج العالم من النفط إذا استثنينا فنزويلا.

من هنا جاءت فكرة وخطة الضربة الاستباقية الغربية لتنفيذ المشروع قبل حلول العام 2020. وبما أن الطاقة هي ما يشغل فكر وخطط الغرب وهي متوافرة هنا، وهناك جماعات دينية مقهورة ومضطهدة ومتعطشة للسلطة ومحرومة منها منذ زمن وهي تحلم بإقامة دولة أو إمبراطورية إسلامية، على مقاسها وفكرها، بكل السبل. إذاً من السهولة دحرجة لقمة السلطة لهذه الجماعات وجعلها تركب موجات ما أطلق عليه «الربيع العربي» بدعوى أنها نتاج الثورات العربية. ومن هنا جاءت الاتفاقيات السرية التي تسبق وصول كل جزء من هذه الجماعات للسلطة في الدول المحيطة بالكيان الصهيوني.

ثم تأتي المرحلة التالية من المخطط الغربي بتحويل ما يسمي بدول الشرق الأوسط العربية إلى دول غير قادرة على أية مواجهات عسكرية حتى الدفاعية منها ومستنزفة اقتصادياً عن طريق الفوضى والانقسام. ومن هنا تم تفكيك الجيش العراقي أولاً وما بقي منه أصبح بالكاد ينازع للبقاء على قيد الحياة تحت ضربات «القاعدة» وأذرعها، وهي صناعة غربية بامتياز ضمن الثلاثية الآنفة، فيتساقط منه كل يوم عشرات بلا معنى.

ثم جاء الدور على الجيشين السوري والمصري، بحيث تكون الجماعات نفسها، الإخوان، وتكفيرون، هم من يقومون بدور تفكيك وإضعاف هذين الجيشين العربيين. وإلا ما الهدف الجهادي الذي سيقوض الكيان الصهيوني، على رأي فكرة الإخوان الأساسية، من ضرب قوى الجيش المصري في سيناء وغيرها من المناطق، وإنهاك الجيش السوري تماماً على يد المجموعات نفسها، وإلهاء المقاومة بنزاعات طائفية؟

أسئلة صعبة ومحيرة لن نجد لها أي تفسير في زمن الهوان العربي إلا أن تبقى دولة واحدة فقط هي حليفة، للغرب، قادرة وقوية اقتصادياً وعسكرياً لتتحكم في المنطقة بلا منازع بحكم الجغرافيا المشتركة مع الجيران العرب وهي «الكيان الصهيوني».

ولذا لم تعودوا تسمعون اليوم عن الصراع العربي الإسرائيلي الذي كان يملأ إعلامنا وأدبياتنا في الخمسينات والستينات وحتى الزيارة المشئومة للكيان الصهيوني من قبل رئيس أكبر دولة عربية مقاومة العام 1977.

ولينفرد كل بنفسه ويسجل عدد الدول العربية التي لا تعترف بالكيان الصهيوني اليوم ولا تقيم معه علاقات، علناً أم سراً، سيكتشف رقماً يجعله يخجل من إكمال البحث والتسجيل. وسيكتشف أن من بقيت خارج سرب التطبيع صارت تحارب بكل السبل وكأنها ترتكب أكبر الخطايا والذنوب.

وأنقل لكم أجمل تعليق لأحد القراء العرب لحالنا اليوم حين يقول: عشت في فترة كنت أسمع إعلامنا العربي يقول «العدو الإسرائيلي»، وفترة يقول «الكيان» الإسرائيلي»، ووصل بي العمر لأعيش واسمع نفس الإعلام يتحدث بكل بساطة عن «دوله إسرائيل»،

وأتمنى ألا أعيش لأسمع الإعلام نفسه غداً يقول «دولة إسرائيل الشقيقة».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/800218.html