صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4025 | الجمعة 13 سبتمبر 2013م الموافق 07 محرم 1446هـ

الكلمة كقصاصات الورق في عاصفة

الكاتب: سوسن دهنيم - Sawsan.Dahneem@alwasatnews.com

في الخلافات والاختلافات يمعن بعض الناس أحياناً في إيذاء الآخرين بكلماتهم، من غير الإحساس بما يتركه أثر تلك الكلمات على قلوبهم وأنفسهم، فتراهم ينتقدون ويوجهون الشتائم والكلمات الجارحة بطرق فجة تسهم في جرح الآخرين أولاً، وفي شرخ العلاقات الاجتماعية ثانياً، متناسين أن الكلمة متى ما خرجت لا يمكن للإنسان تغييرها، فهي كما تصفها إحدى قصص التراث العربي كقصاصات الورق في يوم عاصف، إذ تحكي القصة توقيف رجل بعد أن ادعت جارته مرة تلو الأخرى بأنه سارق، وبعد التحقيق اكتشف القضاء أنه بريء، فأُوقفت المرأة التي تسببت في أذاه، وحين سألها القاضي عن السبب، أجابت: «الكلمات لا تؤذي أحداً»، بيدَ أن القاضي أراد إعطاءها درساً لا تعود بعده إلى ما فعلت، فطلب منها كتابة سلبياتها جميعها في قصاصات ورق ورميها في الشارع والعودة إليه في اليوم التالي لتسمع الحكم.

في اليوم التالي، وبعد أن قامت المرأة بما طلب منها، جاءت للقاضي، فقال لها: «إن كنتِ تريدين العفو، فاجمعي جميع قصاصات الورق التي رميتها بالأمس، وإلا فسيُحكم عليك بالسجن»، فردّت المرأة بدهشة: «ولكن هذا مستحيل؛ إذ أخذت الريح الورق، ولا يمكنني جمعه كله»، فأجابها القاضي: «تماماً، كما فعلتِ حين شوّهتِ صورة الرجل أمام الجميع ونثرتِ الكلام السيء عنه أمام الناس فتناقلوه»، وحكم عليها بالسجن نظير فعلتها.

لو أن كل فردٍ منا يحاول وضع نفسه مكان الآخرين حين يتفوه بالكلام الجارح، لما نبس ببنت شفة، ولكنه الغضب أحياناً ينسينا تعقّلنا ويجعلنا نؤذي حتى أقرب الناس إلينا.

ولو أن كل فرد منا تيقن أن كلامه عن الآخرين سيعود إليه أيضاً، وهو ما يسمى «الكارما»، لما تفوهنا بكلمة واحدة سيئة في حق غيرنا، وهم الغافلون عنا وعمّا نقوله من وراء ظهورهم أو أمامهم حين ننسى إنسانيتنا أحياناً.

الدعوة لعدم جرح الآخرين لا يعني بالضرورة التنازل عن حقوقنا حين يكون الآخرون سبباً في إيذائنا، ولا يعني أبداً عدم توجيه النصح إلى من نحبهم حين نجد منهم سلوكاً لا يليق بهم، ونحن نتمنى رؤيتهم في أروع حالاتهم، لكن ما يقصد هنا هو اختيار الكلمات بعناية لتوصيل الفكرة، أو للفت النظر، أو لأخذ الحق ممن أراد بخسنا حقوقنا؛ فالكلمة الطيبة وقت الخلافات تمتص الغضب، وتجعل الآخر يشعر بالخجل فيعتذر حين يجد أن من أساء إليه قابل إساءته بالحسنى، وهو ما كان يقوم به سيدنا ونبينا محمد (ص)، حين كان أعداؤه يؤذونه ويحاولون جاهدين النيل منه ومن عزيمته، فكان حلمه وتسامحه سبباً في دخول كثيرين إلى الإسلام.

والكلمة الطيبة خير وسيلة للتغيير حين نوصلها لمن نحب بأسلوب أنيق يحمل المحبة ظاهرةً، والإحساس بالآخر والرغبة في تغييره للأفضل، من غير جرحه أو إشعاره بالوصاية عليه أو احتقاره. وبالكلمة الطيبة يمكننا انتزاع حقوقنا من الغافلين عنها، أو الراغبين في إيذائنا ببخسها، حين يحرجهم لطفنا.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/809914.html