صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4040 | السبت 28 سبتمبر 2013م الموافق 06 شوال 1445هـ

السياسة كعامل مؤثر في التعليم

الكاتب: فاضل حبيب - comments@alwasatnews.com

مؤخرًا، بدأت أنفتح على الفكر التربوي من خلال الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلة (علوم التربية)، وهي دورية مغربية متخصصة تُعنى بنشر مساهمات الباحثين التربويين المهتمين بقضايا التعليم.

في عددها (38) ملف خاص ومهم عن التعليم وإشكالياته، وتحت عنوان «عوامل ومعيقات تطور الأنظمة التعليمية» يتحدث سعيد الراشدي (وهو أستاذ التعليم العالي والبحث العلمي بكلية علوم التربية في جامعة محمد الخامس ـ السويسي) عن أن العامل السياسي مثله مثل العوامل الأخرى كالاقتصادية والاجتماعية، إما أن يؤثر إيجابًا أو سلبًا في الأنظمة التعليمية.

يقصد الراشدي بالسياسة هنا: نوعية الأنظمة السياسية التي تنتمي إليها الأنظمة التعليمية، باعتبار أن نوعية النظام السياسي هي التي تحدِّد القوى المتحكِّمة والموجِّهة في سياسة البلد وبالتالي فهي التي تحدِّد بوصلة العمل السياسي.

وبنظرة فاحصة في القوانين والتشريعات المنظِّمة للعملية التربوية والتعليمية في أي بلد في العالم، ندرك صحة ما ذهب إليه الراشدي من أن السلطة السياسية هي من تقوم بتحديد السياسة التربوية، إما بإشراك المواطنين وممثليهم في المجالس المنتخبة أو الجماعات الضاغطة من أحزاب سياسية وجمعيات مهنية ونقابات وغيرها، أو أن تدير بظهرها لذلك كله وذلك بحسب طبيعتها وتركيبتها الاستبدادية.

يستند الراشدي إلى المراحل التاريخية في الاستدلال على تحويل مسار التعليم واستغلاله كوسيلة لنشر أيديولوجية معينة لنظام حكم أو على الأقل التوجّه السياسي لبلد ما.

وكمثال على ذلك ألمانيا، فبعد وصول النازيين فيها إلى الحكم، لاحظنا تمجيدًا غير مسبوق للسلالة الآرية التابعة للدولة الألمانية وكراهية اليهود وما يطلق عليهم بالغجر، وترتب عليه تعبئة شبه عسكرية للشباب، وإقامة المحاضرات عن العوامل الوراثية وأثرها في تنشئة شخصية المواطن الألماني ولإثبات سمة السلالة الآرية وتقديسها، وانتشار الجمعيات والكيانات التي أسسها أنصار أدولف هتلر، لجعل التربية السياسية تسير جنبًا إلى جانب التربية البدنية.

وأخطر ما فعله هتلر بعد وصوله إلى سدة الحكم ـ بحسب الراشدي ـ أنه قام بتسييس التعليم وتغيير مسار المؤسسات التعليمية من خلال تعيينات المدرسين، حيث قام بإبعاد كل من شك في ولائه للحكم النازي، كما تأسست إبَّان حُكمه مدارس خاصة أطلق عليها: مدارس أدولف هتلر، وتتمثل مهمتها في تفريخ عناصر تابعة إلى الحزب النازي والسلك العسكري والجيش، إلى جانب إنشاء معاهد للتدريب في الميدانين السياسي والعسكري.

بعد ثورات الربيع العربي شاهدنا اشتغالاً كبيرًا لدى النخب والشباب بالشأن السياسي، لدرجة أن جلَّ الكتابات والدراسات والأبحاث والإصدارات تناولت تلك التحولات السياسية من أبعاد وزوايا معينة، ولم تتطرق إلى التعليم بوصفه أحد أهم الركائز في عملية التغيير الاجتماعي.

إن المجتمعات الغربية لتدرك أهمية التعليم في هذه المنعطفات التاريخية الخطيرة والمهمة، فقبل أكثر من عام نشر الكاتب الأميركي توماس فريدمان مقالاً في صحيفة «نيويورك تايمز» اعتبر فيه أن «الخطوة الثانية التي قد تعزز قوة الشباب العربي بعد ميادين التحرير قد تكون الثورة التعليمية التي قد توفر فرص العمل، ولاسيما أن النواحي الاقتصادية هي التي كانت مصدر القوة البركانية في مصر وتونس وليبيا واليمن، وبأن الصحوات العربية قد تنجح وقد تفشل في إسقاط الحكام المستبدين، ولكنها لن تعزز بأي حال من الأحوال قوة الجيل الجديد في ظل غياب الثورة في التعليم».

ويطرح الكاتب فريدمان نموذجًا على الثورة في التعليم بمبادرة المواطنة الأميركية شيلين رومني التي قدّمت نفسها على أنها هي وزوجها متطوعان سابقان في «فيالق السلام» بالأردن للعمل على تفعيل منظمة «Think Unlimited» المعنية بتطوير المهارات التعليمية في الشرق الأوسط؛ بهدف تدريب معلِّمي المدارس الأردنية على «تعليم التفكير الخلاَّق وحل المشكلات» في الفصول الدراسية عبر البحث العلمي لإيجاد الحلول الناجعة لقضية مهمة واستراتيجية كنقص المياه في الأردن، لدرجة أن فريدمان علّق على تلك المبادرة قائلاً «إن ذلك سيكون ربيعًا عربيًا حقيقيًا».

لقد تنبأ فريدمان بفشل قد يلحق الأحزاب التي تسلمت زمام الأمور في بلدان الربيع العربي، حيث يقول: «إن الأحزاب الإسلامية التي استفادت من تلك الثورات للوصول إلى السلطة قد تلقى عاجلاً أم آجلاً المصير ذاته الذي لقيه الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك والراحل الليبي معمر القذافي، إذا لم تتمكن من تلبية طموحات الشباب الذين اجتاحوا الحواجز».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/814678.html