صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4047 | السبت 05 أكتوبر 2013م الموافق 16 شعبان 1445هـ

مؤسسات المجتمع المدني ما بين الحكومية وغير الحكومية

الكاتب: يعقوب سيادي - comments@alwasatnews.com

الأصل في مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية (الشعبية)، هي كونها موازيةً للمؤسسات الحكومية، مثل الوزارات والإدارات والهيئات، سواءً البحثية أو التنفيذية، وما بين هذه وتلك هناك المؤسسات السياسية من الأحزاب التي إما أن تكون داخل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإما خارجها، لتوازي سلطات الدولة في الرقابة الشعبية عليها، من حيث التشريع والأداء التنفيذي. وهنا يجب عدم الخلط ما بين الرقابة الشعبية والرقابة البرلمانية، التي دور كلتيهما رقابة الحكومات من حيث أدائها الخادم للمواطن في صورة جمعه بصفة الدولة أو المجتمع أو الوطن، وكل بأدواته المختلفة عن الأخرى.

وجدير هنا التفريق بين سلطة المواطن ترجمةً للمبدأ الدستوري «الشعب مصدر السلطات جميعاً»، وترجمته الجمعية في تشكيل سلطات الدولة الثلاث وربما الأربع، أخذاً في الإعتبار السلطة الرابعة (الإعلام والصحافة)، هذه السلطات التي جميعها خادمة للمواطن في فرده وللمجتمع في جمعه، ومن ثم إيكال رقابة بعضها مثل السلطة التشريعية والرقابية، على بعضها الآخر مثل السلطة التنفيذية (الحكومة)، بتوليها النيابة عن الشعب عبر تمكينها بالأدوات التشريعية والرقابية التي أصلها أدوات شعبية، ينظم المواطن نقلها وإيكالها (منح الوكالة) لنوابه في البرلمان، عبر منح أعضائه الصوت الانتخابي. فالرقابة الشعبية المباشرة، من خلال مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية، المتمثلة في الأحزاب السياسية ومؤسساتها الفرعية خارج السلطات، وفي الجمعيات الحقوقية المتعددة، والمتواصلة فيما بينها بالتنسيق من خلال التحالفات والتيارات والمراصد المشتركة، وكذلك الجمعيات المهنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والنسوية ومراكز البحوث والمتابعة الشعبية.

كل تلك المؤسسات المجتمعية المدنية، هي في الأصل الكفة الأخرى لميزان العدالة المجتمعية، من خلال الرقابة وتبيان الخلل الذي قد يتبدى من أداء السلطات حتى المنتخبة منها، وهي الأداة والإجراء للتعبير الشعبي الجماعي، إلى ما قبل التظاهر والتجمعات والعصيان المدني لإعادة توازن كفّتي الميزان، لذا كان الوجوب قبل الإباحة، لشرعية عملها الحر في التكوين والنشاط.

وذلك على خلاف التجنّي عليها من قبل الأنظمة السياسية والحكومات، بتوصيفها بالعبث وضرب الاقتصاد والإرهاب والخيانة، فقد أولت منظمة الأمم المتحدة، لمؤسسات المجتمع المدني، مكانتها في أروقتها، وأبرزها مجلس حقوق الإنسان، فحين مناقشة التقرير الدوري لحقوق الإنسان السياسية والمدنية، لأي دولة، هناك ما يكفي من مساحة لتقارير هذه المؤسسات الموازية لتقارير الحكومات. لذا أصبح لمؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية دور محوري وأساسي في الأروقة الأممية، سواءً توازياً مع وجود الوفود الرسمية الحكومية للدولة المعنية، أو على هامش الدورات المختلفة للمجلس، بإفساح المجال الشرعي، لهذه المؤسسات المدنية، لعقد الندوات المتخصصة، ومخاطبة مسئولي مجلس حقوق الإنسان وحكوماتهم، تحت تسمية (NGOs) «المؤسسات غير الحكومية».

لذا وجدنا الأنظمة الدكتاتورية قد عمدت إلى سنّ القوانين المحلية بما يخالف أو يرهل واقع العهود والمواثيق الدولية، التي صادقت عليها تستراً بها وإخفاءً لصفتها الاستبدادية، وحين يجد الجد أمام مطالبات شعوبها، ترمي بهذه العهود عرض الحائط، كل ذلك من بعد دأبها بصبغ حريات الرأي والتعبير، وتأسيس منظمات المجتمع المدني، بما يقنّن إسناد أجهزتها الحكومية، بمؤسساتٍ تحت مسمى مؤسسة مجتمع مدني، إلا أن أعضاءها من مواليها وعناصر أجهزتها، والتي تسمّى شعبياً ودولياً «الكونغو»، تدفع لمؤسسيها اليسير ومن بعد ذلك لا يكون لهم أي دور، لأن هذه المؤسسات تقوم على نفر أو اثنين أساساً، تدفع لهم الحكومات مرتبات ومكافآت وتكاليف السفر بالدرجة الأولى والإقامة في الفنادق خمس نجوم... إلخ، ليعملوا للحكومات المستبدة مباشرةً أو عن طريق مكاتب العلاقات العامة مدفوعة الأجر وبسخاء، وكل ذلك من أموال الدولة التي شعبها أحقّ بها.

وقد عاينت شخصياً مثيلاتها في رحلة وفد مرصد البحرين لحقوق الإنسان إلى جنيف مؤخراً، وقد توافقنا في الوفد على عدم التعاطي مع مثلهم. وفعلاً حضر اثنان، رجل وامرأة، كلاهما أجنبي، كانا يتقاسمان المهمات، فالرجل يصوّر أعضاء الوفد ويسجّل دقائق كلماتهم في الفعاليات، والتصرّف من أجل ذلك بصفاقة، من مثل إسناد هاتفه إلى سماعة الإذن المستخدمة للترجمة، بغرض التسجيل، واللعب بكاميرته كأنما هو يتفحصها وتسجيلاتها وهو في واقع الحال يقوم بالتصوير. هكذا تم تدريبهم على ذلك مثلما تتدرب عناصر المخابرات، ما اضطر أمن مجلس حقوق الإنسان إلى إلزامه بمحو التسجيلات الصوتية والتصوير، وإغلاق سماعة الترجمة لديه.

والأخرى المرأة، كانت قد جلبت نسخاً عن صور ما تبثه وسائل الإعلام الرسمية البحرينية، وخصوصاً من قضى نحبه برصاص قوات الأمن، لتسند اتهامها للمعارضة البحرينية بقتل الأجانب، وذكرت إحصائيات برحيل الأجانب عن البحرين خوفاً على حياتهم من المعارضة، وكانت عروضهم قد بلغت حدّ السماجة، ما دعا إحدى الحاضرات إلى سؤالها إن كانت بحرينية، فأجابت بالنفي وأنها تقيم في البحرين وترأس إتحاد جمعيات الوافدين الأجانب في البحرين، فكان جوابها مثيراً للسخرية.

وفي فعاليةٍ أخرى، تصدّى لها وفد المرصد، بعرض معاناة العمالة الوافدة جرّاء الإجراءات الحكومية، وذكرت لها بدوري، بأن تسعة من العمال الهنود، كانوا يعملون لدي، راعهم حملة السلاح الأبيض من أفراد محسوبين على الحكومة، قبيل السلامة الوطنية، بعد أن هددوهم بحرقهم إن لم يفتحوا لهم الباب، بحجة أن في البيت اثنان من «الشيعة» مختبئين، على حد قولهم، وبحضور الشرطة، ما حدا بالعمال طلب مغادرة البحرين، وتم لهم ذلك، فلم تنطق بعدها ببنت شفة، كما كان الاثنان مشاركين ومرتبين لفعالية لم نبلغ بها، باسم «اللجنة الدولية الأفريقية لتفعيل ميثاق حقوق الإنسان في أفريقيا»، لتناول الوضع في البحرين! إلا أن المسئولين في مجلس حقوق الإنسان، قاموا بإلغاء فعاليتهم هذه، وخصّصوا القاعة لفعاليةٍ أخرى، نتيجة الريبة في كون هذه اللجنة ليست مؤسسة مجتمع مدني، بل من جمعيات «الغونغو» وشركات العلاقات العامة.

وحين العودة وأمام بوابة المغادرة، فوجئت بمن يمد يده للمصافحة، فوجدته صاحبنا المذكور عاليه، وقد تبوأ كرسيه في الدرجة الأولى من الطائرة!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/816740.html