صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4060 | الجمعة 18 أكتوبر 2013م الموافق 18 جمادى الأولى 1445هـ

آلام «الظَّهْر» الإيرانية... وأوجاع «الرَّأس» الغربية

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

تغيَّر الرئيس في إيران وتغيَّر معه الفريق النووي المفاوض. أكثر من ذلك، تغيَّرت معه آلية التفاوض. بل أكثر من مجرَّد آلية، إنها الذهنية السياسية والتفاوضية المتغيرة. الفريق السابق، كان يديره المجلس الأعلى للأمن القومي، وأمينه العام سعيد جليلي، ومساعده علي باقري. اليوم بات الفريق في عهدة وزارة الخارجية الإيرانية ووزيرها محمد جواد ظريف ومساعده للشئون الدولية والقانونية عباس عراقجي.

الآلية السابقة، كانت أن يقوم الفريق الإيراني المفاوض، عند كل مفصل تفاوضي بالاتصال هاتفياً بطهران للتشاور. الآلية الحالية أظهرت أن الفريق الحالي لم يكن على اتصال بالعاصمة طهران إلاِّ لِماماً. وهو ما يعني أنه مُفوَّضٌ تفويضاً شبه كامل.

الذهنية التفاوضية السابقة، كانت تعتمد على ذهنية «إيرانية محليَّة ومحافظة». أما الذهنية الحالية، فقد اعتمدت على ذهنية إيرانية براغماتية «ميكيافيلية» عليمة بالغرب. فظريف قضى معظم حياته في أوروبا والولايات المتحدة. وعراقجي مَكَثَ عشرين عاماً في الولايات المتحدة، مكَّنه من فهم الطرف الآخر وبطريقة تفكيره ورؤيته للسياسة وزواياها الحادة، ومتى يجوز الشَّد والعكس.

أيضاً، لم يتغيَّر الفريق ولا الآلية ولا الذهنية فقط، بل حتى فنيَّة التفاوض تغيَّرت. أربعة أشياء بدت مختلفة في هذه الجولة التفاوضية: الأولى: عدم التصريح للإعلام عن طبيعة المقترحات المتبادلة. الثانية: التفاوض باللغة الإنجليزية فقط دون وجود مترجمين. الثالثة: عدم طرح قضايا خلافية مثيرة حفاظاً على مسيرة المفاوضات. الرابعة: التصريح المتبادل بين الفينة والأخرى، بأن أجواء المفاوضات تسير بشكل إيجابي، تاركين سقف التفاؤل لتقدير الأطراف.

أيضاً، ما تغيَّر هو اللقاءات الفرعية الموالية والمتخللة ليومَيْ التفاوض (الثلثاء والأربعاء). فالوزير محمد جواد ظريف التقى بنظيريه البريطاني والسويسري وأيضاً، بكاثرين آشتون. والتقى مساعدا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومجيد تخت روانجي بممثلي روسيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

أيضاً، تغيَّرت اللهجة الغربية بشكل دراماتيكي، أكثر من لهجة طهران وحليفتها روسيا. فالروس والإيرانيون بدوا متفائلين ولكن حذرين في تصريحاتهم. أما الغربيون وبالتحديد الأميركيين فقد أبدوا تفاؤلاً كبيراً بنتيجة الجولة التفاوضية! وكان المنطقي أن يحصل العكس، كَوْن الطرف الإيراني هو المتهم دائماً من الطرف الغربي بأنه مَنْ يعوق المفاوضات في المراحل السابقة.

دعونا نفكك ما جرى بتأنٍ. نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف قال: «النتيجة أفضل مما كان في أبريل، لكنها لا تضمن مزيداً من التقدم» في المحادثات مع طهران في المستقبل. ثم أضاف هذا المسئول الروسي: «كان يمكن أن يحدث تعاون أفضل».

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قال: «المحادثات بين القوى الكبرى وإيران يمكن أن تؤذن بتغيير في علاقات إيران مع هذه القوى. إن مجموعة دول خمسة + واحد أظهرت الرغبة السياسية اللازمة للتقدم إلى الأمام، فهذه المحادثات كانت مفيدة جداً». وهنا، يظهر لنا طبيعة الحذر من الجانبين (الإيراني والروسي).

في الطرف الآخر، قال الأميركيون إن الاقتراح الإيراني الذي قُدِّم خلال المفاوضات كان «جديداً بمستوى من الجدية والمضمون لم تشهده الولايات المتحدة من قبل» وأن «الوفد الأميركي لم يسبق أن أجرى محادثات مكثفة مع الإيرانيين مثلما حدث هذا الأسبوع».

كاثرين آشتون، التي قادت فريق الغرب في جولة التفاوض، قالت: «الاجتماع كان بالغ الأهمية، وإنه كان مختلفاً عن الاجتماعات التي سبقته»، شاكرة الإيرانيين على مقترحهم وما قدموه، مضيفة «يمكنني القول، بفارق كبير. مواقفنا حُدِّدَت بشأن عدد من القضايا بالفعل».

ربما هذا الأمر يبدو لافتاً لكن يصعب فهمه بطريقة كلاسيكية، إلاَّ إذا أخذنا بتصريح مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشئون القانونية والدولية عباس عراقجي الذي قال: «نظراً للقضايا الإقليمية وقضايا الاقتصاد ينبغي على أميركا التحرك في هذا الاتجاه».

وربما عنى المسئول الإيراني، الذي قاد فريق بلاده في المفاوضات بأن الأميركيين يريدون نجاحاً لهذه المفاوضات لارتباطها بقضايا إقليمية واقتصادية، قد توفرها لهم إيران (أو عبرها) نحو آسيا والشرق.

في كل الأحوال، جولة التفاوض حول الملف النووي الإيراني، التي جَرَتْ في جنيف، والتي تعتبر «العاشرة» من نوعها، هي جولة مهمَّة جداً للطرفين، ويمكننا بعد ذلك الاستعراض أن نعطي عليها عدداً من الملاحظات:

أولاً:

(*) للإيرانيين: هي باكورة جلسات التفاوض التي تديرها حكومة الرئيس حسن روحاني المنتخب في يونيو/ حزيران الماضي، والتي تريد حلحلة هذا الملف، كونه مرتبط ارتباطاً عضوياً بالملف السياسي والاقتصادي لإيران. فإذا ما حُلَّ وفق سياسة الخطوات المتكافئة، فإن ذلك سيؤثر حتماً على خططه في الداخل.

(*) للغربيين: يمثل هذا الاجتماع الخطوة «العملية» التي تسبق مؤتمر جنيف 2 بشأن سورية، والتي ربما يُعقَد في الثلث الأخير من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. ولأن إيران هي الرئة التي تتنفس منها دمشق اقتصادياً وعسكرياً، فهذا يعني أن الاتفاق معها يمكن أن يُنجح مؤتمر جنيف 2، أو يمكن من خلالها تمرير عدد من النقاط.

ثانياً:

(*) للإيرانيين: إن الاتفاق مع الغرب، سيعني إزاحة «وسادة الخنق» من على النظام المالي الإيراني والنفط، وهما أمران يُشكلان عامل ضغط متزايد عليها منذ مارس/ آذار الماضي، والأهم، من كل ذلك، توفير الغطاء الأمني للنظام السياسي الإيراني، وإبعاد شبح الحرب ضده.

(*) للغربيين: ترى واشنطن، أن انسحابها وحلفاءها من أفغانستان، ينطوي على خطر داهم، وفراغ استراتيجي، لا يُمكن أن تملأه من دون ترتيبات أمنية وسياسية مع الجار القوي لأفغانستان، وهي إيران، التي ربطها علاقات مع طالبان وحكمتيار. وهي تريد بذلك، أن تبني جسراً بدأت بناءه مع الإيرانيين وكشف عنه مسئول أميركي خلال لقاء جنيف.

ثالثاً:

(*) للإيرانيين: تمثل هذه المفاوضات (في حال نجاحها) بوابة عبور نحو المعادلات الغربية في المنطقة، واللعب فيها معهم كطرف رئيس، يمكن الاعتماد عليه، وهو ما سيوفر لها فرصة التحوُّل إلى حليف مزدوج (كما هي الهند في آسيا) في منطقة الخليج العربي والهلال الخصيب والعراق واليمن وعموم الشرق الأوسط.

(*) للغربيين: يشكل فتح نافذة على إيران بالنسبة لهم، فرصة تحويلها إلى شريك «وسط» في النِّديَّة الغربية لخصوم متحالفين معهم كالصين والهند، ونقطة ارتكاز في الغرب الآسيوي، للتعامل مع المناطق الجنوبية لآسيا الوسطى، وكذلك مع روسيا، التي بدت كقطب عصي على الكسر، تعاظمت قوته خلال الأزمة السورية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/820348.html