صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4067 | الجمعة 25 أكتوبر 2013م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

سورية بحاجة إلى عملية انتقالية سياسية

الكاتب: السفيرة سمانثا باور - ٫

(كلمة خلال المداولات المفتوحة حول الشرق الأوسط التي جرت يوم 22 أكتوبر / تشرين الأول 2013).

سأركز اليوم على ثلاثة مواضيع هي: سورية ولبنان والسلام في الشرق الأوسط.

في 27 سبتمبر/ أيلول 2013، أكد هذا المجلس أن استخدام الأسلحة الكيميائية في أي مكان يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين. ومن خلال قيامه بذلك، نفذ المجلس دوره كحامٍ للاستقرار العالمي من خلال التصويت بالإجماع على طلب التدمير السريع والكامل لبرنامج الأسلحة الكيميائية الفتاكة في سورية. وكان هذا التصويت المرحب به رداً ضرورياً على استخدام الحكومة السورية المتكرر ومن دون رحمة للأسلحة الكيميائية ضد أبناء شعبها. ولكن لكي يكون لهذا التصويت معنى، يجب أن يطبق القرار فوراً وبدقة متناهية.

ولقد بدأ التنفيذ فعلاً، في ظل القيادة المشتركة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وإنني أثني على الرجال والنساء الشجعان من المنظمتين لشجاعتهم وتفانيهم المهني، ونرحب بتعيين سيغريد كاغ كمنسق خاص. وأرجو عدم الوقوع في الخطأ، إذ إن ما نحاول القيام به أمر لا مثيل له في السابق. لم يحدث من قبل أن طُلب من خبراء دوليين أن يقوموا بتحديد موقع وحماية وتدمير كمية كبيرة من غاز الأعصاب، والمواد السامة، والأسلحة الكيميائية الأخرى في بلاد تمزقها النزاعات.

إن مسئولية الامتثال للقرار رقم 2118 تقع على عاتق القيادة السورية، التي صنعت أسلحة الدمار الشامل هذه، ثم كذبت بخصوص امتلاكها لها، ومن ثم استخدمتها، وبعد ذلك وعدت - تحت الضغط الدولي - بالتعاون في إزالتها.

لقد أشار الأمين العام على نحو مناسب إلى أن الضوء الأحمر لاستخدام شكل واحد من أشكال الأسلحة لا يعني إرسال الضوء الأخضر لاستخدام أشكال أخرى. فقد وقعت الغالبية العظمى من المذابح البشرية في سورية - ولاتزال تقع - نتيجة القنابل ومدافع الهاون والقذائف والرصاص الذين تطلقهم الحكومة. ومع استمرار استهداف الناس الأبرياء، فإن البلد آخذ في التفكك. وسيؤدي ذلك إلى عواقب إنسانية كارثية كما ستنتشر آثاره في جميع أنحاء المنطقة.

تعتقد حكومتي بأن السبيل الوحيد القابل للنجاح لإنهاء أعمال العنف المروعة في سورية سيكون من خلال عملية انتقالية سياسية تستند إلى بيان مجموعة عمل جنيف، الداعي إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية تتمتع بسلطات تنفيذية كاملة، ويجري اختيارها بالتراضي. وكما يقول الرئيس أوباما والوزير كيري باستمرار، نظراً لدور النظام الحالي في هذه الجرائم الوحشية على مدى عامين ونصف العام الماضيين، لن يكون للأسد أي دور يلعبه في العملية الانتقالية السياسية. فالولايات المتحدة تدعم الجهود التشاورية التي يبذلها الآن الممثل الخاص المشترك الإبراهيمي، وسنواصل المشاورات من جانبنا مع السيد الإبراهيمي وروسيا ومجموعة الإحدى عشرة دولة (مجموعة لندن 11)، والمعارضة السورية وغيرهم من الأفرقاء كي نتمكن من عقد مؤتمر جنيف الثاني بسرعة.

ولابد من تحقيق تقدم في المسار الدبلوماسي، لأنه أمر ملح وحاسم لاتخاذ خطوات إضافية لتخفيف المعاناة سواء أكان ذلك بالنسبة للناس داخل سورية أو لأكثر من مليوني سوري لجأوا إلى الدول المجاورة. لقد دعمت الولايات المتحدة بشدة البيان الرئاسي الأخير للمجلس الذي طالب بتأمين المرور الآمن لمواد الإغاثة الإنسانية. إنما لن يكون للبيانات لوحدها أي معنى من دون تغيير السلوك على أرض الواقع. إذ ينبغي علينا في مجلس الأمن تعقب التقدم المحرز، والإبلاغ عن أي وجميع العقبات والضغوط بصورة مستعجلة للامتثال بالمعايير الأساسية المنصوص عليها في هذا البيان الرئاسي. إن فصل الشتاء يقترب بسرعة، ويزداد اليأس لدى الأسر في جميع أنحاء سورية. فإذا جاز لي القول، أود أن أغتنم هذه المناسبة لتسليط الضوء على مسألتين تنذران بالخطر وتتسمان بالحساسية لناحية التوقيت وتستدعيان اهتمام هذا المجلس بصورة عاجلة.

أولاً، أهالي المعضمية محاصرون ولا يستطيعون الوصول إلى المواد الأساسية الضرورية منذ نحو السنة الكاملة. لدينا تقارير موثوق بها تفيد بأن السكان أكلوا أوراق الأشجار، ومات الناس لأسباب تتعلق بسوء التغذية. ويواصل النظام محاصرة ما يقدر بنحو 12 ألف نسمة، من بينهم 7 آلاف امرأة وطفل. لقد توسلوا إلينا - هذا الأسبوع في الواقع - وتوسلوا بأن ننقذهم من الموت. ينبغي على جميع الأطراف السماح للوكالات الإنسانية بالوصول دون عوائق لإخلاء ما تبقى من المدنيين وتقديم العلاجات والإمدادات المنقذة للأرواح لهذه المنطقة. يتعين على الأطراف احترام التزاماتها بموجب (الإعلان) العالمي لحقوق الإنسان والقوانين الإنسانية الدولية لحماية المدنيين والسماح بالوصول الآمن للمنظمات الإنسانية غير المتحيزة والمحايدة إلى جميع الناس المحتاجين. ومرة أخرى نؤكد أن الوضع هناك يشكل ضرورة عاجلة.

والمسألة الثانية تتعلق بالاعتداء اليومي على الحياد الطبي. سيتذكر الناس هذا النزاع حتى بعد 100 سنة من الآن، نظراً لانتهاكه هذا المبدأ الأساسي، المبدأ الأساسي للحياد الطبي. واستناداً إلى آخر تقرير للجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سورية، «فإن الحرمان من الرعاية الطبية كسلاح حربي يشكل حقيقة واضحة تقشعر لها الأبدان في هذه الحرب... فقد ارتكبت القوات الحكومية أعمالاً وحشية مأساوية ضد المرضى والجرحى». إن الهجمات ضد المرافق الطبية وعلى الذين يحتاجون إلى علاج طبي تشكل أعمالاً وحشية وينبغي أن تتوقف فوراً. ولا ينبغي أن يخضع تقديم المساعدة في الحالات الطارئة والمعدات الطبية اللازمة لأي نوع من الاختبار السياسي. ينبغي مساعدة الناس الذين هم في حاجة ماسة، بغض النظر عن طائفتهم أو من أين جاءوا في سورية.

لقد تحطم نظام الرعاية الصحية في سورية. وتفيد تقارير منظمة الصحة العالمية أنه اعتباراً من يونيو/ حزيران، فقد تضرر أكثر من نسبة 70 في المئة من المراكز الصحية في الرقة ودير الزور وحمص أو أصبحت خارجة الخدمة. ونحو 40 في المئة من مراكز الرعاية التوجه الصحية الأولية البالغ عددها 1724 مركزاً في جميع أنحاء البلاد إما أصيبت بأضرار بالغة أو أغلقت بالكامل.

والأسوأ من ذلك، إن نسبة 70 في المئة من العاملين في مجال الصحة في سورية - نحو 80 ألف - فروا من البلاد، كما ذكرت منظمة الصحة العالمية. وقد قرأ البعض منكم الإحصائيات التي تقول إنه من أصل 5000 طبيب كانوا يعملون في حلب قبل الحرب، لم يتبقَّ منهم سوى 36 طبيباً الآن. فقط 36 طبيباً في تلك المدينة. تفتقر العديد من المحافظات الآن إلى الخبرات الطبية المؤهلة لمعالجة الصدمة، والتخدير، والعاملين في المختبرات المتخصصة. وفي اثنين من المحافظات الشمالية، يكاد ألا يكون هناك أي موظفات متوافرات للتعامل مع الحالات الطارئة في مجال الصحة الإنجابية أو للاستجابة لأعمال العنف القائم على الجنس. يتوجب على النظام أن يرفع فوراً أية حواجز بيروقراطية أمام إيصال المساعدات الطبية العاجلة والكف عن استهداف العاملين في الحقل الطبي. كما ينبغي على الجهات الفاعلة غير الحكومية أن تحترم أيضاً الحياد الطبي وأن تسهّل إمكانية الوصول. لذلك في الختام، نوجه نداءً عاجلاً لأعضاء المجلس من أجل الضغط على النظام، أولئك الذين يمكنهم التأثير على النظام، أن يضغطوا على النظام للوفاء بالتزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق بالحياد الطبي. وستواصل الولايات المتحدة حث مجموعات المعارضة من أجل تسهيل وصول الرعاية الطبية إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها. ومن أجل مصلحة الشعب السوري، وحفاظاً على حرمة الحياد الطبي في كل مكان، علينا بذل المزيد من الجهود لمعالجة هذه المشكلة.

إن لبنان هو من بين الدول المجاورة الأكثر تضرراً من الحرب الأهلية السورية. ونظراً لطبيعة هذا النزاع، وبسبب تدفق اللاجئين، يواجه لبنان تحديات إنسانية واقتصادية وأمنية هائلة. إن أكثر من خُمس سكان لبنان الآن هم لاجئون من سورية.

أظهر الاجتماع الذي عُقد مؤخراً في نيويورك لمجموعة الدعم الدولي للبنان أن الأعضاء الدائمين في هذا المجلس والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى يتبادلون أجندة مشتركة لدعم لبنان في هذا الوقت الذي يواجه فيه التحديات الراهنة ويعزز سياسة النأي بالنفس عن النزاع السوري. وقد أعلن الوزير كيري في ذلك الاجتماع أن الولايات المتحدة ستساهم بمبلغ إضافي قدره 30 مليون دولار لمساعدة المجتمعات الأهلية اللبنانية لمواكبة الطلب المتزايد على الخدمات العامة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالبنية التحتية، والتعليم والصحة. هذا المبلغ هو إضافة إلى 74 مليون دولار على شكل مساعدات إنسانية جديدة، وهي حصة لبنان من 340 مليون دولار من المساعدات المتعلقة باللاجئين التي أعلن عنها الرئيس أوباما خلال زيارته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتثني حكومتي على تعاون لبنان مع البنك الدولي والأمم المتحدة في وضع خطة لمعالجة احتياجاته المتزايدة. ونتطلع قُدماً إلى مراجعة تلك الخطة، ونأمل أن توفر أساساً متيناً - سوية مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بما في ذلك القرار رقم 1701 - لتقديم جهود إضافية مدعومة دولياً للمحافظة على التقدم السياسي، والأمني والتماسك الاجتماعي والازدهار الاقتصادي في لبنان. وفي غضون ذلك، إننا ندعو المجتمع الدولي للمساعدة في خفض الأعباء غير العادية التي أجبر لبنان - بدون أي ذنب ارتكبه - على تحملها.

وسأتطرق أخيراً إلى المفاوضات الجارية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لقد أكد رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس (محمود) عباس أمام الجمعية العامة التزامهما بالتوصل إلى اتفاق سلام دائم ينهي النزاع فيما بينهما. ولايزال الرئيس أوباما والوزير كيري والمبعوث الخاص مارتن إنديك منخرطين بعمق في العمل على تحقيق إبرام اتفاقية الوضع النهائي ضمن إطار المفاوضات المحددة بتسعة أشهر. وبالإضافة إلى ذلك، يواصل المجتمع الدولي إظهار دعمه القوي لعملية السلام، وآخرها من خلال العديد من الأحداث الحاصلة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن بينها اجتماعات لجنة الارتباط المؤقتة الخاصة، واجتماعات اللجنة الرباعية، وكذلك الاجتماع الخاص لداعمي الأونروا، الذي أكد استمرار الدعم للوكالة ومهمتها.

واستكمالاً للمسار السياسي، فإن الدعم الدولي للاقتصاد الفلسطيني والسلطة الفلسطينية هو أمر بالغ الأهمية. إننا ندرك أيضاً الحاجة الملحة إلى معالجة الاحتياجات الإنسانية للسكان المدنيين في غزة ونود أن نسلط الأضواء على الجهود المتواصلة التي نبذلها لتعزيز التنمية الاقتصادية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، بما في ذلك أكثر من 348 مليون دولار من الأموال التي قدمتها الولايات المتحدة في هذا العام فقط لتخفيف عبء ديون السلطة الفلسطينية. إن تخفيف عبء ديون القطاع الخاص وتقديم الدعم المباشر لموازنة السلطة الفلسطينية هما أمران حيويان، ونحن نشجع المانحين على الوفاء بالتزاماتهم الحالية وكذلك توفير الدعم الإضافي. ومن أجل تحفيز النمو الاقتصادي على المدى القصير، عملنا مع السلطة الفلسطينية لتشجيع الاستثمار المباشر في مشاريع البنية التحتية الصغيرة ذات التأثير الكبير في الضفة الغربية، وقدمت الولايات المتحدة 25 مليون دولار لتمويل هذه المشاريع.

تدين الولايات المتحدة بأشد العبارات أي دعوات إلى العنف. ونحن نشعر بالقلق بشكل خاص إزاء الاكتشاف الأخير «لأنفاق الهجوم» بين غزة وإسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، فإنها لاتزال تساورنا دواعي القلق إزاء ما يجري من أحداث عنف في الضفة الغربية، فضلاً عن الاضطرابات الأخيرة حول الأماكن المقدسة في القدس، ونشدد على أهمية المحافظة على الهدوء في هذه الأماكن الحساسة.

إننا نحث على ممارسة ضبط النفس من جانب جميع الأطراف، وندعو جميع الأطراف إلى تجنب اتخاذ إجراءات من شأنها تقويض مفاوضات الوضع النهائي. وبالسير على نهج القيادة الجريئة لكل من رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس عباس، فمن الضروري أن نعمل جميعاً لبناء الثقة، والثقة اللازمة لتحقيق السلام الدائم.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/822446.html