صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4071 | الثلثاء 29 أكتوبر 2013م الموافق 05 شوال 1445هـ

نحن وإيران... إلى أين؟

الكاتب: شوقي العلوي - comments@alwasatnews.com

قبل أن يدخل القارئ معي في أي لبس، أودّ التأكيد بأنني لست مع وجود أية سلطة سياسية تحكم باسم الدين، سواء باسم ولاية الفقيه أو المرشد أو المرجعية السلفية، أو أية مرجعية دينية أخرى، لاعتقادي الراسخ بأن السلطة الدينية السياسية تتناقض تماماً مع الدولة المدنية.

ليس بمقدور إيران أن تزيلنا نحن دول الإقليم من الوجود، وليس بمقدور دول الإقليم أن تزيل دولة كإيران من الوجود، فقد كتبت علينا الجغرافيا والتاريخ أن نعيش في هذه المنطقة متجاورين، فالجغرافيا والتاريخ يجمعاننا؛ خصوصاً أن الهجرات المتبادلة بين سكان ضفتي الخليج العربي خلقت تداخلات بيننا وبين إيران ليست بالهينة، فهناك تداخل اجتماعي وثقافي وديني وسكاني لا يمكن محوه أو حتى الحد من تأثيراته.

انتهزت عطلة عيد الأضحى المبارك لأسافر برفقة زوجتي إلى مدينة مشهد الإيرانية، وهي مدينة مقدسة لدى الشيعة لوجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، ثامن الأئمة. وقبل أكثر من ثلاثة عقود ذهبت كذلك برفقة زوجتي إلى مدينة شيراز أيام حكم الشاه.

على الرغم من انقطاعي عن الكتابة، لكن هذه الزيارة أوجدت لدي حنيناً خاصاً لأكتب، وموضوع المقال لا يعدو أن يكون جملة من الانطباعات الشخصية التي لا أدعي أنها نتيجة معرفة بما يجري في إيران، وليست ناتج تحليلات مبنية على مصادر موثوقة، بل هي انطباعات شخصية، أحاول ربطها بما وجدته عندهم وما أجده عندنا.

كنت أود أولاً أن تكون الرحلة مباشرةً من مطار البحرين إلى مطار مشهد وعلى خطوط طيران الخليج، لكن السياسات الضارة باقتصادنا والتي تصب في مصلحة الجانب الإيراني هي ما نتبعها، فكانت الرحلة عبر شركة طيران إيرانية وعبر مطار الملك فهد الدولي بمدينة الدمام. فما هو الفرق بين أن تستخدم شركات الطيران الإيرانية مطار البحرين ومطار الدمام؟ كيف تسمح الشقيقة السعودية بهبوط طائرات إيرانية في مطاراتها، في الوقت الذي نمنعها نحن؟ ما هي الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني نتيجة منعنا لطائراتها من الهبوط في مطارنا؟ وما هي الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني نتيجة لمنعنا لطائراتنا الوطنية من السفر إلى المطارات الإيرانية؟ ما هي الأرباح التي جنتها شركة طيران الخليج نتيجة منعها من السفر إلى المطارات الإيرانية؟ باعتقادي نحن من جنى الخسائر المادية ونحن من جنينا العذاب لمواطنينا المسافرين إلى المطارات الإيرانية. كانت الطائرة التي ربما تتسع لأكثر من أربعمئة راكب في الذهاب والإياب مشغولة مقاعدها بالكامل. فمن الذى جنى أرباح هذه الرحلة؟ هي إيران بكل تأكيد وجزء منها جناها مطار الملك فهد.

نحن نعيش خطابات الكراهية من روافض ونواصب ومجوس وصفويين إلى آخر القائمة من نعوت وأوصاف تسيء إلى الناس في معتقداتهم أكثر من أن تسيء للأنظمة. هم يبنون ويسيرون قدماً، هذا ما شعرت به وأنا في مدينة مشهد. أصبح عدد الخدم في منازل الأسر الخليجية يفوق عدد الأسر نفسها، فكثير من الأسر لديها أكثر من خادم. محلاتنا التجارية وفي المهن التي كان يمتهنها آباؤنا وأجدادنا أصبحت مشغولة بنسبة ربما تتجاوز 80 بالمئة من قبل الأجانب. عندما يريد الطفل لدينا قطعة حلاوة أو علبة عصير، ما عليه سوى إجراء مكالمة من هاتفه النقال لصاحب البقالة الآسيوي، ليجلب طلب الطفل إلى المنزل! عندما نذهب إلى المخبز الذي يعمل به الآسيويون لا ننزل من سياراتنا ونحن نريد شراء قطعة واحدة من الخبز لا يزيد ثمنها عن 20 فلساً، ما علينا سوى إطلاق بوق السيارة ليحضر العامل قطعة واحدة من الخبز! هذه هي سلوكياتنا التي هي عكس سلوكيات أبناء المجتمع الإيراني تماماً، هم يخدمون أنفسهم بأنفسهم، يكنسون شوارعهم، يعملون في محلاتهم التجارية، هم من يقود سيارات الأجرة، يعملون في مصانعهم ومزارعهم ومطاعمهم. هم من يصطاد من البحر، باختصار هم من يمتهن كافة المهن، يلبسون من صناعاتهم، يركبون سيارات من صناعتهم، يأكلون من ناتج زراعتهم، فهل نحن كذلك؟

نحن نعيش على فوائض النفط الناضب الذي ليس لنا فيه من فضل، بل شعب المنطقة يعيش على جزء من هذه الفوائض بعد أن يأخذ الجزء الآخر طريقه لأصحاب النفوذ وللشركات الأجنبية. العلاقات السيئة بين دول الإقليم تكتوي بنارها الشعوب، المنتجات الغذائية الإيرانية مثلاً عندما يمنع دخولها إلينا، الخاسر الأكبر هما شعبا البلدين.

المرأة لديهم، وبالرغم من أنهم يعيشون في ظل سلطة دينية تتمثل في نظام ولاية الفقيه، إلا أنني وجدت المرأة عكس ما كنت أتوقعه، ربما يكون وضع المرأة في بعض الجوانب لدينا هي أسوأ مما لديهم، فالمرأة في بعض دولنا تحتاج إلى عقود طويلة لتصل إلى ما وصلت إليه الإيرانية. العباءة التي ترتديها المرأة الخليجية، وبعد أن خلعتها في الستينيات والسبعينيات، عادت لتتنقب. الإيرانية تلبس الحجاب العادي بألوانه الجميلة المختلفة والوجه مكشوف، بل أن بعض الفتيات الإيرانيات يغطين نصف شعرهن ليظهر النصف الآخر الأشقر الجميل المصفف، وقد طلين وجوههن بالمكياج الجميل بكل ثقة. المرأة هناك ترتاد الأسواق والشوارع والأماكن العامة وتتداخل في التجمعات مع الرجال وفي صالات العبادة بكل ثقة واطمئنان، وتقف في صف واحد لأداء الصلاة بجانب الرجل، كما في باحة مرقد الإمام الرضا عند الصلاة على الجنازة. تراها مع زوجها وطفليها راكبين جميعاً دراجة بخارية كوسيلة مواصلات. تعمل في كل المجالات، في المطارات والمطاعم والفنادق، وحتى كعاملات نظافة في الفنادق. المرأة هناك تشعرك بأنها تملك الثقة بنفسها، العكس من ذلك لدينا؛ حيث نرى المرأة عادت إلى الوراء بعد القفزات التي حصلت في الستينيات والسبعينيات.

عند الحديث عن المرأة الإيرانية، دائماً ما يحضر موضوع «زواج المتعة»، كنت أتصوّر وحسبما كان يشاع، أن هناك دكات في الأماكن الدينية يجلس عليها رجال دين يعرضون فيها تزويج إيرانيات زواج متعة (زواج الصيغة، كما يسمى في إيران). لم أجد من ذلك شيئاً، استأذنت أم بشرى لأطلب من سائق التاكسي أن يدلني على زواج المتعة، فوجدت الاستنكار منه، والرد بأنه لو يتزوج كذلك ستقوم زوجته بقتله!

كنت أتوقع أن أرى حركة متسولين كبيرة في مدينة مقدسة يؤمها مئات الآلاف يومياً، خصوصاً عند مرقد الإمام الرضا أو الأماكن المقدسة الأخرى، لكنني فوجئت بعدم وجود ذلك. وللأمانة وجدت عدداً يقل عن عدد أصابع اليد الواحدة لمرتين أو ثلاث مرات، عند خروجنا من بوابة الفندق، يطلبون المساعدة بدون إلحاح في الطلب.

الأسواق لديهم مكتظة بالناس، هناك قدرة شرائية غير هينة، المطاعم بدون استثناء مكتظة بالرواد، بل ونحتاج للانتظار لتخلو طاولة نستطيع الجلوس عليها، وقد تكون هناك قائمة طويلة ينتظرون الدور حتى يأتيهم.

مطار مشهد لا يرقى في بنيته وخدماته إلى مطار يشهد حركة واسعة من المسافرين، كذلك مستوى الفنادق وخدماتها لا ترقى أبداً إلى الخدمات المقبولة، بل هي أدنى بكثير من الدرجة المقبولة. إن أجمل ما وجدته في هذه المدينة نظافة شوارعها والتزام سكانها ومرتاديها بالنظافة، عكس ما هو موجود في مدننا.

حالة العبادات الروحانية في هذه المدينة لدى الإيرانيين لها طقوس قد نقبلها وقد نرفضها، لكنها تعبّر عن الأرضية التي مهدت لولاية الفقيه أن تحكم بلداً كإيران، فهي مسألة ثقافة دينية راسخة في النفوس. حاولت أن أتلمس مدى الرضا لدى بعض من التقيتهم، هم يمثلون عينةً بسيطةً بكل تأكيد في مدينة من بلد واسع مترامي الأطراف يضم قوميات مختلفة، بل هي شعوب إيرانية، لذا لا أستطيع الجزم بأن رضا من التقيتهم تعبّر عن رضا غالبية الشعوب الإيرانية عن نظام الحكم في إيران. غالبية من التقيتهم كانوا راضين، ذلك لا ينفي أن هناك من يتذمّر من مشاكل معيشية كمشكلة السكن. البعض حتى ممن هو معترضٌ لا يتطرّق إلى ولاية الفقيه في اعتراضاته السياسية، لكنهم عبّروا عن عدم رضاهم عن حكم أحمدي نجاد وإشادتهم بفترة حكم خاتمي، وأرى أن ذلك يأتي كله في إطار حكم المؤسسة الدينية والتي لها قدسية خاصة لدى قطاع واسع من الشعب الإيراني. هي عملية ثقافية راسخة في نفوس هؤلاء.

هناك وجودٌ واسعٌ من الزائرين اللبنانيين والعراقيين للأماكن المقدسة لدى الشيعة، ووجدت مواطنةً تونسيةً تتمذهب بالمذهب الجعفري، كما أن إحدى الموظفات المسئولات في الفندق الذي أقمت فيه ومن خلال لهجتها وبعد سؤالها تبين لي أنها مغربية متزوّجة من مواطن إيراني وتتحدّث الفارسية بطلاقة كما يتحدثها أهل إيران، وسلوكها يقول إنها ملتزمة بالمذهب الجعفري.

هل قدرنا أن نتصارع مع إيران؟ لمصلحة من يتم هذا الصراع؟ هل من مصلحتنا ومن مصلحة إيران معنا أن لا يكون هناك تعاون علمي واقتصادي؟ إن وجود منظمة تعاون اقتصادي تشمل الجزيرة والخليج وإيران، بل وتمتد إلى تركيا هي حاجة ملحة، ذلك يرسخ السلم والاطمئنان والتقدم لشعوب المنطقة.

على النظام الإيراني وعلى أنظمتنا كذلك، مستوجباتٌ لخلق منظومة تعاون بدلاً من منظومة العداء المستفحل. بداية ما يهمنا على صعيد بلداننا وأنظمتنا ضرورة المصالحة بين الأنظمة الحاكمة والشعوب، هي مهمة ملقاة على عاتق الأنظمة والشعوب على السواء. عندما نتحدّث مع إيران من موقع أنظمة مدعومة من شعوبها، وليس من موقع أنظمة متصارعة مع شعوبها، ذلك شرط لابد منه. الشعوب الإيرانية حرة في اختياراتها السياسية وهي من تقرّر شكل الحكم لديها، الشعب الإيراني حرٌّ في اختياراته العقيدية، وعلينا احترام عقائده، ولكن في الوقت نفسه يجب على النظام الإيراني أن يؤكّد عبر الممارسة العملية، أن الحريات الدينية لكافة الأديان والمذاهب محترمة لديه ومن حق الناس بناء دور العبادة دون أدنى قيود.

على إيران إذا ما أرادت أن تدخل فعلاً في منظومة تعاون تعمل لصالح شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الإيراني، أن تتخلى عن تدخلها في شئون دولنا الداخلية. عليها أن تعيد جزرنا التي استولى عليها نظام الشاه بالتعاون مع المستعمر الانجليزي في ذلك الوقت، وعليها في أسوأ الأحوال أن تقبل بإحالة موضوع النزاع حول الجزر إلى المحكمة الدولية. عليها أن تتعاون مع دول المنطقة في برنامجها النووي ليكون برنامجاً سلمياً يخدم مصالح دول المنطقة وليكون مشروعاً إيرانياً خليجياً مشتركاً.

ستظل إيران واهمة، وستظل دول الخليج والجزيرة أيضاً واهمةً، إن اعتقد الجانبان أن سياسة العداء والتحدّي هي سياسة صائبة، وأن هناك منتصراً فيها. الجانبان يرتكبان حماقة بحق إيران وبلدان المنطقة وبحق الشعب الإيراني وشعوب دول الخليج والجزيرة... إن استمرا في سياسة الصراع والعداء.

دول أوروبا نجحت وتقدّمت واستقرت عندما نبذت سياسة العداء وتبنت سياسة التعاون والمصالح المشتركة، فهل إيران ودول الإقليم قادرةٌ على تجاوز سياسة العداء والدخول في سياسة المصالح المشتركة التي تؤدي بدول المنطقة إلى البناء والتقدم والاستقرار؟

الضعيف دائماً من يخشى القوي ويخاف منه، لذا نحن نعيش الخشية والخوف من الجار الإيراني، لأننا نتمسك بعناصر الضعف لدينا وهم يتجهون لعناصر القوة لديهم. ذلك ليس مرتبطاً بطبيعة النظام القائم في إيران، فقد كنّا نخشى إيران في ظلّ نظام الشاه، ولم يتغيّر الحال في ظلّ النظام القائم.

يجب علينا أن لا نلتفت كثيراً إلى إيران كنظام سياسي نختلف معه، بل يجب علينا أن نلتفت إليها كجارةٍ تمتلك من عناصر القوة في الإقليم، وعلينا أن نبحث عن عناصر القوة لدينا. علينا أن نبحث وكذلك إيران معنا عن مصالحنا المشتركة.

بالتأكيد لدى إيران مشاريعها الخاصة بها كدولة إقليمية كبرى، لكن السؤال هو: أين هو مشروعنا؟ كلّ ما نريده هو مشاريع أميركية إسرائيلية لمواجهة مشروع إيراني.

على إيران ولمصلحتها ومصلحتنا المشتركة معها، أن تمنحنا الاطمئنان.

علينا البحث الجدي لمشروع مشترك للمنطقة برمتها، تكون إيران أحد عناصر هذا المشروع، تلك هي المصالح المشتركة التي لا غنى عنها.

نحتاج لاستنهاض قوانا الذاتية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/823732.html