صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4078 | الثلثاء 05 نوفمبر 2013م الموافق 12 شعبان 1445هـ

البحرين أين المنتهى... مرةً أخرى

الكاتب: يعقوب سيادي - comments@alwasatnews.com

أوضحنا في المقال السابق، كيف لعب الإعلام الرسمي بعقول من هو مستعدٌ لتصديق ما يطرب له، فتبنى كل التسفيهات التي ساقتها السلطات، لتحريف مؤدى الحراك الشعبي، إلى ما يجعل السلطات في مأمنٍ من تواصل طائفتي المجتمع. وقد اطمأنت إلى الفرقة الطائفية، فساقت وسائل الأعلام الرسمية في غيّها وتلفيقاتها على الحراك، وشاركها في ذلك بعض وزراء الحكومة، وعملت الحكومة بأداتين، لاصطفاف بعض من المكوّن الآخر الموالي أو ربما المفزوع، إلى صفها، الأداة الأولى التهديد ولو كان مبطناً، والثانية الترغيب بالتمييز والإفلات من العقاب، فكان ما كان من الفصل من الأعمال وإحلال المتطوّعين، وإعطاء المثل لكل من يحذو حذو المعارضة، بأن يصيبه ما يصيبها، من الإفراط في استخدام القوة، التي تؤدي إلى السجن والعطل عن العمل والغازات الخانقة والقتل.

وقد سقط ادعاء السلطات ومن لف لفها، فيما يتعلق بتدخل إيراني في الحراكات الشعبية، وقد وثّق ذلك تقرير اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق (لجنة المستشار بسيوني)، وذات التقرير، نبّه إلى ضرورة التزام السلطات بالقوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، بما يفيد أنها، أي الحكومة، أضحت متجاوزةً، وقد خيّر السلطة ما بين وحدة الشعب وبين وحدة العائلة، فاختارت فيما يبدو الأمر الثاني، فساقت في تشطير الوطن والمواطنين. ولم يعد أمام السلطات للحفاظ على الاستئثار بالقرار حينها، إلا استنفار التوتير الطائفي، فادعت بأن مطالب الحراك مطالب طائفية، وهي أي الحكومة، ارتأت ذلك لغلبة الطائفة الشيعية تعداداً، ومشاركةً في الحراك والمطالب، تلك المطالب التي كانت واضحة في وطنيتها، إلا على من به علل، من الذين خلطوا ما بين المذهب والمواطنة. وكان واضحاً وهانة تبريرات البعض لرفضهم مطالب الحراك، وقد كرّر رئيس تجمع الوحدة الوطنية، صاحب تجمع الفاتح الذي أسماه «شعب الفاتح»، لتفريقه عن «شعب الدوار»، في فصل واضح ما بين السلطات ومواليها وما بين المعارضة، إلى شعبين.

شعب الفاتح يرفض الصوت الانتخابي الواحد لكل مواطن، بغض النظر عن طائفته؛ ويرفض تعديل الدوائر الانتخابية؛ ويرفض مراجعة سياسة التجنيس التي أصابت المواطن والهوية الوطنية في مقتل؛ ويرفض فكرة صياغة دستور جديد للمملكة الدستورية، عبر مجلس تأسيسي منتخب، وذلك لخوفه المسعور من غلبة الطائفة الأخرى، وهو المدعي أن شعبه شعب الفاتح، تعداده يربو على 450 ألف مواطن، من أصل 625 ألف تقريباً هم مواطنو البحرين، فإختار الوضع السياسي والحقوقي المشوّه الحالي، على أي تغيير إلى الأفضل الذي يتيح لجميع المواطنين، حقوقهم تساوياً، عبر أدوات محاسبة السلطات، التي تطالب بها المعارضة، لا بل واستدل على طائفية الحراك المزعومة، وإرتباطها بإيران وأميركا، حين ربط المطالب بكونها هدماً للنظام وللدولة، وأنها عمل على إشاعة الفوضى.

ولاشكّ بأن الرامي يخطئ المرمى، حين يرمي وهو وجل وخائف، فقد أرعشت المطالب عقله، وغاب عنه في فهم الصواب، فكيف لنظامٍ أن يُعدَّل ما لم ينله التغيير الجذري الإيجابي، في المفاصل الرئيسية لسوئه ونوازعه في التفريق بين المواطنين وبعضهم، ووضع السلطات في منزلة أعلى من منزلة «الشعب مصدر السلطات»، إلا كون القائل يحسب نفسه على هذه السلطات.

ولم يطل طرب السلطات بنفوذها واختزالها للعلاج الأمني العنيف، المصاحب للتوتير الطائفي، فقد بات واضحاً للعالم أسبابه ونتائجه، بدءًا من تجاوز القوانين المحلية والدولية، إلى تسييس بعض من القضاة أيام السلامة الوطنية وآخرين بعدها، ما حدا بأن يتم تناول البحرين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومطالبات الدول الـ 47 والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، وآخرها الاستنكار العام لعزم السلطات شراء أسلحة الغاز والطلقات بضعف عدد مواطني البحرين.

وقد يفهم العاقل، ارتماء أعضاء مجلس الشورى الطبيعي في أحضان السلطات، بحكم تعيينهم بناء على توافق أطراف هذه السلطات، إلا أن الأدهى هو ارتماء أعضاء مجلس النواب (المورياييل منهم حسب توصيف الوزيرة)، في أحضان الطائفة على مستوى إقليمي، أكثر من انتمائهم الوطني، وما عادوا يمثلون ولا يمتثلون إلا لما يأتيهم من أوامر من السلطات، بما يصل إلى مخالفتهم الدستور، في الامتثال لتقديم طلب عقد الجلسة غير العادية للمجلس الوطني، ولرفع توصيات للحكومة بإصدار قوانين وتعديلات قوانين، بما يسقط مهامهم التشريعية والرقابية، فهم بذلك تنازلوا عن سلطتهم، ليس ذاك فحسب، بل ووضعوا أنفسهم محل تغييب حكومي بعدم وجوب عرض مشاريع القوانين على مجلسهم، ما داموا قد أوصوا الحكومة بأن تكون بديلاً عنهم، فإن كان ذلك صحيحاً، فما لزوم وجود مجلس للنواب.

فكان الحل الأمني، كما هو طبيعي في نتائجه، من كثرة الآلام وتتابعها في صدور أفراد الشعب، فكم هناك من تيتم، وكم هناك من أُثكِل، وكم هناك من غاب وراء القضبان، وكم هناك من جاع، وكم هناك من مُسّت كرامته، وكم هناك من؟ ومن؟ ومن؟ بما يزرع في النفوس الميل إلى رفض السلطات.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/825860.html