صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4079 | الأربعاء 06 نوفمبر 2013م الموافق 03 جمادى الأولى 1444هـ

محسن يُبدِّد عتمة الظلام بشعاع الأمل فينضم إلى القضاء «الواقف»

لم يكن الظلام مانعاً من تحقيق الأحلام، فظلمة الرؤية للكون أجمع، بددها شعاع الأمل، وعزيمة الإصرار وروح الإيمان والصبر.

فكم هو شعورٌ مؤلمٌ أن يفقد فجأةً طفلٌ صغيرٌ يبلغ من العمر عشرة أعوام بصره، وهو في مرحلة اللعب والمرح مع أصدقائه الصغار، لينتقل من عالمٍ زاهٍ بألوانه الجميلة إلى آخر معتم.

لكنه ينفي هذا الأمر فيقول: «لا توجد صعوبة في الانتقال من عالمٍ كبير إلى آخر صغير»!

وبهذه الفلسفة الجميلة، والروح القوية المتحمسة، وقف محسن وسط قاعات المحاكم يُحاكي القضاة ويفسر القوانين، لينضم بكل جدارةٍ إلى القضاء الواقف، غير آبهٍ بعمي البصر مادامت البصيرة ترى النور.

نعم؛ إنها قصة نجاح تمثلت في انتصار الأمل على الظلام، قادها الشاب البحريني محسن عبدالرزاق عبدالمحسن (25 عاماً).

يروي محسن لـ «الوسط» تفاصيل فقدانه للبصر عندما كان طفلاً صغيراً يرى النور، فيقول: «كنت طالبا في المرحلة الابتدائية بمدرسة سار، وكنت حينها بصير العينين، إلى أن وصلتُ إلى الصف الرابع، فخلال الفصل الأول ضعف نظري، وازداد الأمور سوءاً عند الفصل الدراسي الثاني، حيث ضعف نظري بشكلٍ كبير، وبتُّ لا أرى بعيني، فتم نقلي إلى المعهد السعودي البحريني للمكفوفين، حيث ان وضعي لم يكن يسمح لي بمواصلة الدراسة في المدرسة الاعتيادية».

ويضيف: «بقيتُ أدرس في المعهد إلى أن انتهيت من المرحلة الإعدادية، وفي المرحلة الثانوية انتقلت إلى مدرسة النعيم الثانوية للبنين، واخترت الدراسة بالقسم الأدبي. وتخرجت من الثانوية العامة بمعدل 88.2 في المئة، بعدها التحقت بجامعة البحرين، تخصص قانون، إلى أن تخرجت بعد أربع سنوات بمعدل 2.8، وذلك في العام 2011، وحالياً أشرع في دراسة الماجستير منذ بدء العام 2013، تخصص القانون الخاص».

وعن شعوره لحظة فقدانه البصر، يقول محسن: «طبعاً لا توجد صعوبة في الانتقال من عالمٍ كبيرٍ إلى عالم صغير؛ ولكن الصعوبة هي في تخطي الإعاقة. أما من الناحية التعليمية فالطرق الموجودة للمكفوفين كانت كافيةً بالنسبة لي لمواصلة التعليم».

ويستدرك في الحديث: «ان المرحلة العمرية التي طرأت فيها الإعاقة البصرية كانت هي مرحلة تحول فسيولوجي لجسم الإنسان وسيولوجي نفسي، وما من أحدٍ يستطيع إخراجي من هذه المرحلة إلا بإرادةٍ مني، طبعاً العائلة تمثلت لي في الوالدين بما أنني أكبر أبنائهم، وما كان هناك غيرهما لمساعدتي أما البقية فهم أصغر مني».

يشيرُ محسن إلى أنه «كانت هناك مضايقات من أصدقاء ومن مجموعة اجتماعية بما أنها سن طفولة، فمن الطبيعي أن تلاقي بعض المضايقات، والبعض يساعدك كصديق».

ويرى أن «هذا الأمر اعتيادي لأن المجتمع خليطٌ من الناس، ومرحلة الطفولة مرحلة نشاط، وخصوصاً أن مرحلة العشرة أعوام تعتبر مرحلة طفولة، ولكنها مرحلة مراهقة مبكرة، ففيها كل النشاط الحيوي الموجود عند الطفل الذي يخرجه في المجتمع المحيط به».

واردف: «بالإضافة إلى أن هناك أشخاصا ربما بعد هذه المرحلة، وهي مرحلة الانتقال إلى المعهد لم يتوانوا عن مساعدتي بالتخطي سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، من معلمين وغيرهم. وغالبيتهم كانوا من الأشخاص الذين يحيطون بي ويتصلون بالعالم الذي أنا فيه».

ويشير مجدداً بحسب اعتقاده إلى أن «الصعوبة تكمن في الانتقال من العالم الصغير إلى الكبير، أما العكس فلا توجد صعوبة فيه، وخصوصاً أن المعهد مكون من عددٍ قليلٍ من الطلبة بالنسبة للمدارس العادية، غير أنهم يعيشون وضعاً مماثلاً لوضعي».

ويصفُ محسن المرحلة الثانوية بأنها «مرحلة نشاط وتهور وتمرد وعدم الاحساس بالمسئولية، ولكن الحمد لله استطعت التعامل مع الفئة الموجودة، لأني كنت واحداً منهم ولم أكن أشعر بأنني معوق، إلا في الحالات التي احتاج فيها للبصر، وطبعاً ليس في التعامل مع الآخرين، ولكن أقصد في القضية التعليمية والتنقل من مكانٍ إلى آخر».

وعما إذا كان فقدانه للبصر قد حرمه من عيش مرحلة «التهور والتمرد خلال فترة المراهقة»، يجيب محسن: «ربما كانت هناك نوبات لمعايشتي هذه الحالات، ولكن ليس بمعنى خرق القانون أو الإخلال بالأدب. وهذه الحالة كل إنسان تقريباً يمر بها، من مثل المزاح مع المعلمين أو أمور أخرى».

وبخصوص تأدية الامتحانات، أوضح محسن «كنت أؤدي الامتحانات بشكل شفوي، وأقصد هنا الاختبارات الشهرية والمنتصف، أما الامتحان النهائي فكنت أكتبه على آلة (بيركنس) بطريقة (برايل) ويُصحّح من قبل المعهد السعودي البحريني للمكفوفين».

وهكذا يكبرُ الطفل محسن ليشق طريقه في الحياة متحدياً إعاقة فقدان البصر، إلى أن يتمكن من الوصول إلى المرحلة الجامعية، إذ يقول: «التحقت بجامعة البحرين تخصص قانون، فكان الاختلاف كبيرا عن المدرسة بما أنني قد بدأت مرحلة اللانظام تقريباً، حيث عدم وجود طابور صباحي أو التزام بحضور حصص معينة، والسماح باختيار المحاضرات وأوقاتها، أما من ناحية المساعدة فهناك من أقاربي من هم في مرحلتي العمرية يدرسون في الجامعة لم يتوانوا أو يتخلفوا عن مساعدتي بالإضافة إلى أنهم أصدقاء لي».

ويستطرد «أما التعامل مع الدكاترة أو المعلمين، فيكون إما بمباردةٍ مني أو منهم، وذلك في طريقة الحصول على الكتب الدراسية، وحقيقةً كانت طريقة سهلة، لأن الكتب كانت من طباعة جامعة البحرين، فكان من السهل الحصول على نسخ إلكترونية للدراسة. أما تأدية الامتحانات، فكانت امتحانات شفوية، بحيث ان قسم التربية الخاصة هم من يوفروا طلبة متطوعين لامتحاننا شفوياً، على أن يقوموا بقراءة الأسئلة ويحررون الإجابة بعد تلقيها منا».

ويبقى الأمل والحماس يتوقد في قلب محسن، فبتوفيقٍ من الله تخرج محسن من جامعة البحرين بمعدل 2.8، ليبدأ حياته العملية، ولكن أين؟ وسط زحام مشاكل الناس والجرائم وتبادل التهم.

يتحدث عن تجربته لـ «الوسط» فيقول: «بعد التخرج من الجامعة لا يوجد طريق يبحث عنه الإنسان إلا أن يعمل في التخصص الذي درسه، وبما أنني دارسٌ للقانون، فكان هناك توجه إما الوظيفة العامة في الدوائر القانونية أو القطاع الخاص بحيث العمل في الدوائر القانونية للشركات أو سلك المحاماة. لكني وجدت أن الوظيفة العمومية للدوائر القانونية في الشركات كلها تتطلب الخبرة، فما كان هناك طريق غير أن أسلك طريق المحاماة الذي به بعض المعوقات».

وأوضح «أحد المحامين تعهد بتدريبي وأديتُ قسم المهنة للتدرب عنده، وبعد فترة انتقلت إلى محامٍ آخر التقيت به في دورة المحامين التي يقوم بها معهد الدراسات القضائية والقانونية، والتحقت بمكتبه وبدأت أعمل وأنزل المحاكم، وأترافع أمام القضاة. ولحد الآن مازلت أتدرب».

ويضيف: «طبعاً العمل في المحاكم يحتاج إلى تنقل من محكمةٍ إلى أخرى، وهذا الأمر يتطلب مني تواجد أحد برفقتي، أو الاتفاق مع أكثر من شخص على مساعدتي على التنقل عند الانتهاء من إحدى المحاكم للتوجه للمحكمة الأخرى. وكان هذا العائق الأول في ممارستي مهنة المحاماة. أما العائق الثاني الذي أرّقني مدة طويلة قبل دخول سلك المحاماة فهو عملية البحث عن محامٍ يقبلني في العمل لديه ويثق في قدراتي»، لافتاً إلى أن «المشكلة تكمن في نفسيات أرباب العمل وهم المحامون، وهي أمور لا أستطيع التحكم بها أو السيطرة عليها أو التدخل فيها لتغييرها. وأتمنى أن أجد ضالتي».

ويعبّر المحامي محسن عن سعادته واستمتاعه بممارسة مهنة المحاماة، مفصحاً «بالتأكيد أنا مستمتع في ممارسة مهنة المحاماة، فالمحاماة ليست مجرد متعة وإنما هي تنمي الملكة القانونية لدى القانونيين على شتى الأصعدة». نافياً أن تكون لديه أي صعوبة في كتابة المذكرات أو الترافع أمام المحكمة.

وعن الوظيفة الأنسب له يقول «مهنة المحاماة والوظائف العمومية كلها مناسبة مادامت المعوقات قد تم تخطيها وتم توفير جميع الاحتياجات والوسائل للتمكين من أداء الأعمال. وإن أي إنسان يتمنى العمل في أي وظيفة شريفة من أجل أن يكسب العيش الكريم».

ويرى محسن أن «إرادة الإنسان المعوق هي الفيصل في تطور حياته، بحيث لو تعامل مع نفسه على أنه معوق ولا يستطيع القيام بأي شيء، فإنه سيظل في قوقعةٍ تنتظر من يكسرها ويخرج ما بداخلها. أما إذا تعامل مع نفسه على أنه شخصٌ سويّ يحتاج إلى بعض الأمور الخاصة، فحتماً سوف ينتج في الحياة ويسير إلى المراتب التي ينظر إليها أو ما دونها».

ولم يكن غريباً أن يختتم المحامي محسن حديثه لـ «الوسط» ببيتين من الشعر، حيث انه من هواة كتابة الشعر، فيقول عن المتنبي:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ

فلا تقنع بما دونَ النجوم

وبيتٍ آخر كان يكرره عليه أساتذته عندما كان صغيراً:

ورُب ضرير قاد جيلاً إلى العلا

وقائده في السيرِ عودٌ من الشجر


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/826170.html