صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4084 | الإثنين 11 نوفمبر 2013م الموافق 15 ربيع الاول 1445هـ

لطلب الإصلاح

الكاتب: مريم أبو إدريس - comments@alwasatnews.com

بعد قرونٍ من مقتل الإمام الحسين بن علي وما أفرزه من تصنيف لمعسكري الحق والباطل، ظل الفرز ذاته قائماً عبر التاريخ، ويقيننا أنه سيبقى حتى يفصل الله بين خلقه يوم الدين.

في قبالة أبناء الطلقاء كان ربيب بيت النبوة وريحانة المصطفى يؤسّس لفكر الثورة ضد الانحراف الذي ساد الأمة قبيل مقتله الشريف، وكان خروجه ضد شرعية الحاكم المزعوم آنذاك، رسالةً خالدةً حتى قيام الساعة، أن المسلم لا يستكين للظلم ولا يقبل بفساد ولا يداهن حاكماً، وإن ألقاه ذلك إلى المنون؛ وأن «مثلي لا يبايع مثله» ليست مجرد شعار، بل فعل قدم سيد شباب أهل الجنة روحه من أجله.

لماذا استحضار ثورة الحسين حتى اليوم؟ سؤال طالما ألقاه خصوم الحق والعدل على مر التاريخ، بل وحاربوه وبقيت ثورة الحق شاخصةً تربّي الأجيال المتعاقبة على ألا يخضعوا إلا للحق، وأن لا يناصروا المفسدين، وأن كل اعوجاج للحاكم سيواجه بثورة تصحح الأوضاع الفاسدة.

هكذا أراد ريحانة المصطفى للأمة أن تكون، لتقود رايات العدل ما بقي هذا الدين، وأراده البعض ديناً أجوف القيم عامراً بالطقوس، وأسس علماء البلاط لتفاصيل هلامية اجتهدوا فيها وأشغلوا الناس بها عن قضاياهم الكبرى، فنراهم استفاضوا في وضع قوائم المستحبات التي إن تجاوزتها ما ضرّك شيء، وإن فعلتها ما زادك الأمر شيئاً كدخول البيت برجلك اليمنى، ودعاء دخول الحمام، وكثير من التفاصيل التي تعمّدوا أن يجعلوها أساس الدين وما هي منه حتى بالقشور.

وإن كان المسلمون رزحوا تحت الخوف وسطوة الدولة الأموية التي أقرّت شتم الإمام علي (ع) تسعين عاماً على المنابر، ومنعت الحديث عن ثورة الحسين وقيّدت أئمة المذاهب الذين تحدّثوا عن جسامة جرم قتل الإمام الحسين وفساد يزيد، ومنهم الإمام الشافعي رضوان الله عليه، فإن مسلمي اليوم لا سيف على رقابهم ولا حجر على المعلومات لديهم، ولا سلطان على قناعاتهم، فكيف يرتضي البعض أن يكون مدافعاً عن قتلة حفيد رسول الأمة وهو الذي خرج مدافعاً عن الدين الذي يدّعون تمثيله، صارخاً بين الناس «إني ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير في أمة جدي بسيرة جدي وأبي»، ليس طامعاً في ملك، ولا طالباً لدنيا، إنما ليكون هدىً ورحمةً للعالمين.

وجوب طاعة الحاكم وإن فسد هو فكر تم إقحامه ليكون من الدين، خوفاً من تمرد المسلمين على فساد الدولة الأموية آنذاك. والمثير أن جميع الحكام المسلمين ظلوا يفسدون في الأرض متدثرين بفتاوى وعاظ السلاطين منذ أربعة عشر قرناً، حتى يفصل الله بين من اتبع دينه وبين من حرّف رسالة السماء، إذ كيف للعدل أن يطلب من عباده أن يركنوا للظالمين.

من اختار الحق اختار ألا يكون ظهيراً للظالمين، ومن خدع البسطاء بالقول أن الحسين كان مخطئاً في خروجه على الحاكم الشرعي فإنه يختار وإلى يومنا هذا أن يكون في معسكر البغي والفساد، وأن يختار على من طهرهم الله من الرجز حاكماً يثبت التاريخ فجوره وفساده.

اعرف الحق تعرف أهله، فلم يكن الحسين شيعياً، ولم يكن السنة أعداء الحسين، بل يختار الحسين من اختار الحق، ويحاربه من يحارب الحق والأخلاق والفضيلة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/827814.html