صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4085 | الثلثاء 12 نوفمبر 2013م الموافق 18 ذي القعدة 1445هـ

عاشوراء... الموسم الذي تتجلى فيه المعاني الراقية للإنسانية

الكاتب: سلمان سالم - comments@alwasatnews.com

ما يجده الزائر لبلدنا البحرين في موسم عاشوراء الحسين أشبه ما يكون بالكرنفال الشعبي الكبير، الذي تتجلى فيه مختلف المعاني الإنسانية والثقافية والفكرية والفنية الراقية، التي قد لا يجدها في مواسم أخرى، رسمية كانت أو أهلية، من حيث المشاركة الاجتماعية والمساهمة المالية العفوية الطوعية الواسعة.

موسمٌ يجد فيه النساء والرجال والشيوخ والأطفال والفتيات والشباب، ومن مختلف الفئات الاجتماعية، ويجد فيه التجار والوجهاء ورجال الأعمال والأطباء والمهندسون والتربويون والحقوقيون والسياسيون، والأدباء والشعراء والفنانون من مختلف التخصصات الأكاديمية، والطلبة والطالبات من مختلف المراحل الدراسية... جميعهم يشاركون في رسم لوحة إنسانية رائعة وبألوان زاهية، رغم الألم وضيق الحال.

تراهم يقفون في طوابير طويلة في حملات التبرع بالدم التي تقيمها بعض المؤسسات الخيرية والأهلية في موسم عاشوراء الحسين، ومن دون أن ينتابهم الملل أو الكلل، من أجل رسم هدف الذكرى الإنساني بدمائهم، وليهبوه لأناسٍ لا يعرفونهم، ليحيوا فيهم الأمل في الحياة.

وتجدهم يشاركون بحماسٍ في عمل اجتماعي وإنساني رائع يقل مثيله، حيث يعقدون المضايف في مختلف مناطق البلاد، لاستضافة الزائرين والمقيمين والوافدين بلا استثناءات مذهبية أو عرقية، بمختلف أصناف المأكولات والمشروبات.

وتجدهم شباباً مبدعاً يتسابقون للمشاركة في رسم لوحة فنية، أو كتابة عبارات رصينة، أو بمقال فيه أفكار مفيدة للمجتمع، أو إلقاء كلمة نافعة لكل الناس، ليبيّنوا بكل وضوح هوية هذه المناسبة الإنسانية الكبرى، وليحقّقوا الشعار الشامل لعاشوراء «تراحم وتلاحم»، الذي لا يستثني أحداً من بني البشر.

وتجد المؤسسات الحسينية المنتشرة في مساحات واسعة في الوطن تستقدم الخطباء البارزين في فن الخطابة والمنشدين (الرواديد) البارعين في تجسيد نفحات الشعراء المتميزين، ليقدّموا لأبناء المجتمع أفضل ما عندهم من فكر وثقافة إسلامية راقية، لتكون لهم زاداً روحياً وأخلاقياً وإنسانيةً تعصمهم عن ارتكاب الأخطاء الأخلاقية.

في هذا الموسم تنتعش السياحة الدينية الهادفة، ويكثر الزوار للبلاد، وتتحسّن الحالة الاقتصادية تحسناً كبيراً، فتزيد مبيعات اللحوم والمواد الغذائية بمختلف أشكالها، وتزدهر أسواق الملابس وتزيد المخابز والمطاعم من إنتاجها أضعافاً مضاعفة، مقارنةً بسائر الأيام. وحتى شركات الاتصالات تسجل زيادة كبيرة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والأنترنت، وكذلك أصحاب المطابع والمكتبات والقائمون على مؤسسات الخط وتصميم اللوحات، يدركون أهمية موسم عاشوراء في واقعهم التجاري، وقد يتمنون أن تكون كل أيام السنة عاشوراء من كثرة ما يحصدونه من الأرباح.

والأمر الذي يدهش الكثيرين هو ما يُصرف من مبالغ كبيرة التي قد تصل إلى ملايين الدنانير، أن يكون مصدرها من مختلف الفئات الاجتماعية، من التجار ومن ذوي الحال المتوسط والضعيف في المجتمع. وكل فئة تتبرع بسخاء منقطع النظير، ويجد الفقير الذي لا يزيد دخله الشهري عن 300 دينار، يتنازل عن بعض متطلباته اليومية ليتبرع بقيمتها لإحياء هذه المناسبة الإسلامية الكبيرة، وهو في راحة نفسية ومعنوية يعجز اللسان عن وصفها، ولا يستطيع العقل التوصل إلى كنه هذا السلوك غير المعهود عند أكثر المجتمعات الإنسانية.

لاشك أن تغييب أكثر من 2500 مواطن من أبناء هذا الشعب في السجون، له الأثر الكبير على نفسية جلّ أبناء هذا الوطن، وجميعهم يتطلعون بقلوبهم ومشاعرهم الإنسانية إلى اليوم الذي يتم فيه إخلاء سبيلهم جميعاً، وإرجاع كل المفصولين إلى أعمالهم، وينتظرون بفارغ الصبر اليوم الذي تحل فيه الأزمة السياسية حلاً جذرياً، وتحقيق المطالب السياسية والحقوقية المشروعة، وينعم كل فرد بحياة كريمة عزيزة هانئة لا تنغصها الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، ولا التمييز الطائفي أو المذهبي أو العرقي أو القبلي.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/828124.html