صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4085 | الثلثاء 12 نوفمبر 2013م الموافق 23 شعبان 1445هـ

هل الحل في أفكار الدوار أم أفكار الفاتح؟

الكاتب: يعقوب سيادي - comments@alwasatnews.com

طالما أن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بفرعيه الحياتي والديني، في ممارسات الدولة كنظام إدارةٍ للمجتمع، قد اختل وحَلّ محله النفوذ الفردي، فكما كان يتم الاستيلاء على أملاك الناس من بساتين وأراضي ومنقولات، وبلغة العصر وأدواته، الاستحواذ على أملاك الدولة لصالح أفراد متنفذين، مقابل التضييق على الشعب في عيشه واستقراره، وطالما نهجت السلطات التمييز الطائفي والسياسي، وطالما حادَ عبداللطيف المحمود، إلى تفريق شعب البحرين إلى شعبين، شعب الفاتح الحكومي، وشعب الدوار المعارض، المتداخلة فيه أطراف من الطوائف بالاحترام المتبادل، ويطالب بإصلاح النظام بما يخدم الجميع ويرعى مصالحهم بالتساوي، وطالما وقع، ومن بعد مضي أكثر من ثلاثين شهراً، من الاستباحات للأرواح والكرامة والتلاعب بالتجنيس وإسقاط جنسيات المواطنين، والأرزاق واكتظاظ السجون، اعتقالاً وإحكاماً لقرارات القضاء، ومهم هنا الفهم، أن هناك فرقاً شاسعاً بين القرار القضائي والحكم القضائي، فالقرار قرار شخص القاضي، المتأثر بموازين القوى الفردية أو النظامية في المجتمع، أما الحكم القضائي، فهو الحكم القانوني الإنساني، الذي إن عابت الصفة الإنسانية القانون، أسقطته، وأسقطت الحكم بتطبيقه. والحكم القضائي أساسه العدل في الأحكام على موضوعات وحقيقة الأفعال، وليس على توصيفاتها، فالجرم المفضي للوفاة، هو فعل القتل، فليس هو هنا قتل وهناك إضرار بجسد الغير، الذي يتعامل معه القاضي الفرد وليس القضاء كنظام، وفقاً للواقف أمامه في قفص الاتهام، فيقرّر على الأول السجن المؤبد، ويقرّر على الآخر السجن سنتين أو ثلاثاً، والفعل واحد ولكن عنوان التهمة وانتماء الأفراد مختلفان.

30 شهراً وشعبا البحرين، بمنطوق المحمود وممارسات السلطات، في صراع مستمر، فشعب الدوار يدعو لوحدة الشعب والوطن بمعيار المواطنة، ويدعو إلى إصلاح النظام السياسي الذي يحكم الوطن والشعب الواحد، بإبدال النص الدستوري والقانوني، وإبدال أفراد السلطات، وإبدال المعايير بما ينشر العدالة والمساواة بين المواطنين، ويدعو إلى الوحدة وحفظ الهوية الوطنية، بمراجعة وتصحيح نتائج سياسة التجنيس العشوائي من بعد إيقافها، وباسترداد أموال الشعب صغيرها وكبيرها، من جميع من أخذها تصرفاً في ما لا يملك، أو استملكها هبةً أو عطيةً غير شرعية، باختصار يعود الأصل إلى أصله، وليس أمام المستجيب لهذه الدعوة إلا البدء بإعادة الوضع الأمني والعسكري، إلى ما كان عليه العام 2011، والبناء عليه لتحقيق المطالب، وذلك بإطلاق سراح جميع الموقوفين والمسجونين والمعتقلين، وتعويضهم المجزي عن معاناتهم، وتعويض أهالي جميع شهداء المرحلة وكل من أصيب بألم جسدي، وكل من تم مس نفسه ووجدانه ومعتقده، أياً كان الطرف وأياً كان الجاني، والاعتذار من السلطات عن كل ذلك، ثم البدء في حوار سياسي حقوقي جاد، تشرف على تشكيل أطرافه وتديره الأمم المتحدة، والمعيار فيه القوانين والمواثيق الدولية للحقوق السياسية والمدنية الإنسانية. فعذراً! لم يعد هناك ثقة، على حدّ مقولة المحمود، لا بين الشعبين ولا بين شعب الدوار والسلطة، وذلك لتشكيل حكومة توافق وطني انتقالية، برضا الشعبين (حسب تصنيف المحمود)، أو عبر الانتخاب العام لشعب البحرين الواحد الجامع، حسب أصول الإنتخابات، بجعل البحرين دائرةً انتخابيةً واحدة، واحتساب الصوت الانتخابي المتساوي لكل مواطن، وتعمل بعده هذه الحكومة، على التمهيد لخلق نص دستوري وقانوني ونظام قضائي وسياسي وحقوقي واقتصادي واجتماعي جديد، وتعيد للهوية الوطنية جذورها وصفاءها، وتحفظ للمواطن حقه المتساوي، دون اعتبارٍ للطائفة أو العائلة أو المناصب الحالية، وتحل معضلة التجنيس بإرجاع الأصل في المواطنة إلى بداية العام 1999، مرحلة بدء التجنيس السياسي، والإنطلاق منها للمواليد من أبوين بحرينيين، وتدرس حالات من جُنّس خلافاً للقانون، وسحب الجنسيات غير القانونية مع منح إقامات لمن يود البقاء في البحرين، إلى أن ينظر القضاء لاحقاً في موضوعهم.

أما إذا تبنينا المعيار والتصنيف المحمودي، المتلخص في تخصيص تهمة خيانة شعب الدوار للوطن، حسب قوله وضميره، ما جعله وجعل المحسوبين عليه يتعاملون مع شعب الدوار بأنه عدو، فاستخدموا ضده سلاح الحروب والاتفاقيات العسكرية الإقليمية، إلا أنه لم ينكر عليهم مواطنتهم، فإنه بذلك إنما يدعو مبطناً، إلى أحد أمرين، أما استعباد شعب الدوار من قبل شعب الفاتح، وهذا لا يستطيع أي كان الإتيان به، ما لم يخنع لذلك من يرتضي عبوديته، الأمر الذي رفضه قطعياً شعب الدوار، وإما أن يستمر الانقسام، لنصل إلى حلٍ بديلٍ، يتلخص في الاستقلال الذاتي لكل من شعب الفاتح وشعب الدوار، فالبحرين لدى المحمود والسلطة، مُثنى بحر، فليكن هناك دولة أو فيدرالية أو كونفدرالية البحرين، يتقاسمها الشعبان مناطقياً، ويكون لكل شعبٍ استقلاله، بأمنه وجيشه وعلاقاته الإقليمية، والدولية، ومؤسساته التشريعية والقضائية والتنفيذية، ومقومات اقتصاده، ونظامه السياسي والاجتماعي، تحت مسمى إقليمي «إقليم بحر شعب الدوار» و»إقليم بحر شعب الفاتح»، وليُنظَر لاحقاً كيف يتعاون أو يتحد الإقليمان في دولة موحدة أسمها «دولة البحرين».

ولا بديل آخر إلا المملكة الدستورية على غرار الممالك الدستورية العريقة، التي يختار ويحاسب ويستبدل فيها الشعب جميع سلطاته، بحكم مواد سَلِسَة التنفيذ لدستور عقدي متوافق عليه شعبياً، لا يوكل جميع السلطات لشخص، بل يوكلها إلى «الشعب مصدر جميع السلطات جميعاً» كما يقول الدستور، مع الحفاظ على الدين والمذهب في سموه الذي لا يمس، كعقيدة فردية لا تُمايز بين المواطنين، وبإشراف الأمم المتحدة، فالثقة مازالت معدومة بين الأطراف المعنية بحكم الوعود غير الموفى بها مراراً وتكراراً.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/828127.html