صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4098 | الإثنين 25 نوفمبر 2013م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

التيار السلفي... تواضع التجربة وضجيجها

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

يبدو أن التيار السلفي قد امتهن حرفة «تدوير الأزمات»، وبرع في فتح «الثغور الوهمية» في عملية «جهاد» افتراضي يقوده في الداخل ضد أعداء، إن لم يعثر عليهم «اخترعهم»، وإن عزّوا لجأ إلى اختيار معارك خارجية موضوعها «الدم السوري»، وشعارها تجهيز «غُزاة» في مشاريع الموت المرسلة كعربون محبةٍ وتضامنٍ إلى أشقائنا في الشام، التي تحوّلت على حين غرةٍ وبلا مقدمات، أهم بالنسبة للمسلمين من القدس وفلسطين! حسبما أفاد النائب عادل المعاودة بعد قدومه من رحلةٍ جهاديةٍ قصيرةٍ إلى الشام اطمأن فيها على المرابطين في الثغور!

هذه المرة من مجلس النواب، فقد حمل البريد الصادر من المجلس ضمن رسالة يوم السبت (16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013) خبراً لرئيس جمعية الأصالة الإسلامية (سلفية) عبدالحليم مراد، تهجم فيه بشكل سافر على الطائفة الشيعية في البحرين، واتهمها بشكل علني بـ «بث الكراهية» و»نشر الفوضى والإرهاب والحقد بين أبناء المجتمع الواحد». وهو تصريحٌ لا أعتقد أنه يخرج كثيراً عن الضوابط السائدة في الخطاب الصادر من «بيت الشعب» طيلة عمر الأزمة السياسية الحالية منذ فبراير/ شباط 2011، فالتطاول على هذه الطائفة هو سمة المرحلة والطريق الأقصر إلى الشهرة والحظوة خصوصاً بالنسبة للفاشلين سياسياً.

يقوم التيار السلفي على تاريخ طري ومرتبك وصدامي وحافل بالمواجهات، وهو إلى ذلك تيار سياسي مبتدئ، حيث لم يسجل للجماعة أي انخراط واضح في الشأن السياسي قبل تدشين ميثاق العمل الوطني واستئناف الحياة النيابية في فبراير 2001، وبالتالي فهي لم تشكل قوة فاعلة في الساحة السياسية البحرينية لكونها اعتزلت الحياة السياسية وركزت جهودها على إقامة المشاريع الخيرية في المجتمع، إضافةً إلى الدروس والأنشطة الوعظية. وقد جاء دخول الجماعة السلفية العمل السياسي وتحديداً دخول البرلمان من باب القاعدتين الفقهيتين «ارتكاب أخف المفسدتين لدرء أعظمهما» و»الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

أخذت الجماعة السلفية تكتسب مساحة واسعة في المجتمع البحريني كجزء من ظاهرة الانبعاث الإسلامي الذي حدث بعد تراجع التجمعات والحركات القومية، بدءاً من هزيمة العرب العام 1967 التي أدت إلى تراجع الخطاب السياسي القومي وانهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط الاتحاد السوفياتي وما رافقه من انحسار للمد اليساري.

لا يُعلم على وجه الدقة متى بدأ التأسيس الفعلي للجماعة السلفية في البحرين، إلا أن سبعينيات القرن الماضي كانت مرحلة ظهور التيار السلفي، في حين كانت مرحلة الثمانينيات بمثابة المرحلة التأسيسية للجماعة، وقد تأثر فكر الجماعة بالشيخ ناصر الدين الألباني (ت 1999)، وبسلفيي الكويت عبدالرحمن عبدالخالق وعبدالله السبت وتيار سلفي يقوده مركز الدعوة والارشاد ويمثل التيار الأفكار السلفية السعودية التي يتبناها الشيخ عبدالعزيز بن باز (ت 1999).

ويعتبر الشيخ أحمد حميدان إمام جامع الفاضل في المنامة ومن أوائل الخريجين من الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة وكان زميلاً للسلفي الشهير الشيخ ناصر الألباني، وظلّ على تواصل مستمر معه، وهو أول من جاء بكتبه إلى البحرين.

مع نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات كانت الساحة الخليجية قد شهدت صعوداً متسارعاً في قوة التيار الإسلامي ونفوذه، والذي ظهر كرد فعل على الانفتاح المفاجئ الذي شهدته أقطار الخليج العربي بفعل العوائد النفطية وتأثيراتها على المجتمع الخليجي، وفي ظل هذا الوضع المستجد انطلقت الدعوات من المملكة العربية السعودية بضرورة العودة مرة أخرى للتمسك بمبادئ الإسلام وقيمه الأصيلة، وذلك بالاعتماد على الأسس التي انطلقت منها الدعوة السلفية التي قادها الشيخ محمد بن عبدالوهاب (ت 1791) في النصف الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي.

وقد تم تأسيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة العام 1960 للقيام بالدعوة من جديد، باتفاقٍ وتنسيقٍ بين مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ وبين الشيخ عبدالعزيز بن باز، الذي تم تعيينه أول مدير لها.

تعد جمعية التربية الإسلامية إحدى أنشط الجمعيات الإسلامية السنية، فبعد أن أتاحت لها كثرتها العددية وإمكانياتها التنظيمية الكبيرة أن تبرز من خلال تحقيق منجزات عديدة على الأرض عبر العمل الخيري والاجتماعي. غالبية قادة جمعية التربية اليوم خرجت من رحم جمعية الإصلاح (إخوان مسلمين)، فقد دفعت الخلافات الشخصية والفكرية بعض أعضاء جمعية الإصلاح إلى الخروج عليها وتأسيس الجمعية الإسلامية، إلا أن الخلافات نشأت بين أجنحة حركة الأخوان المتأثرة بالتيار الأخواني المصري، والحركة الأخوانية المتأثرة بالتيار السلفي وبالمدارس الدينية، أو بالجماعات السلفية السعودية، إضافةً إلى عودة الكثير من الطلبة البحرينيين الملتحقين بالمدارس الدينية السعودية، دفعت عدداً من أعضاء جمعية الإصلاح والجمعية الإسلامية إلى الانشقاق وتأسيس الواجهة العلنية للجماعة السلفية ممثلة في جمعية «التربية الإسلامية»، التي تولّى قيادتها الشيخ عادل المعاودة، وكانت هناك محاولات من قبل بعض السلف للتسلل إلى الجمعية الإسلامية والاستيلاء عليها، إلا أنهم ووجهوا من قبل الأزهريين وعائلة آل محمود الدينية في مدينة الحد، الأمر الذي دفعهم إلى التسلل لجمعية التربية الاسلامية، وهي جمعية كانت في الأصل لجماعة آسيوية، وقد أسست في العام 1979، أما الاستيلاء السلفي عليها فجرى في الثمانينيات من القرن الماضي بعد إخفاق السلف في فرض سيطرتهم على الجمعية الاسلامية.

يصف الشيخ عادل المعاودة الذي كانت بدايته مع العمل الاسلامي عبر انخراطه في نشاط جماعة «الاخوان المسلمين» و»جماعة التبليغ» في بريطانيا بين عامي 79 – 1980 بقوله: «كان هناك تأثير، فلم تتميز السلفية لدى شباب المحرق كدعوة معاصرة بالمنطق المعاصر المعروف والحديث إلا بعد أن قمنا بزيارةٍ إلى الكويت شهدها 17 شاباً من المحرق وكان ذلك في حياة الشيخ عبدالرحمن عبدالصمد الذي زرناه والشيخ عبدالرحمن عبدالخالق والشيخ الشيباني والشيخ حاي الحاي. وهناك اطلعنا على الدعوة السلفية بشكلها المعاصر والحديث والمنظم، وبعد عودتنا تأثرنا كثيراً بما شاهدناه في الكويت من تنظيم العمل الدعوي السلفي». (صحيفة «الوطن» البحرينية 3 يناير/ كانون الثاني 2006).

كان من نواتج الأزمة السياسية العام 2011 أن حدث اصطفاف مذهبي حاد، تعمّقت فيه المفاصلة وجرى فيه توحد الأطياف السنية ضد الخصم المذهبي المطالب بإصلاحات تنصف الجميع. بدا الكل مشدوهاً مما يحدث على الأرض طيلة شهرين من اندلاع الاحتجاجات، لكن بركان الكراهية انفجر وسمح للأحقاد الدفينة أن تترجم كأجندة عملٍ يومي لتصوغ مشهداً وطنياً رديئاً للغاية، ساهمت فيه سحب إقليمية سوداء صبت مطرها المالح على أرضنا لتروي أعشاباً ضارة توشك أن تطوق أعناق الجميع وتخنقنا.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/832056.html