صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4105 | الإثنين 02 ديسمبر 2013م الموافق 07 محرم 1446هـ

الحويزي البحراني... كاتب الدولة الآفراسيابية

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

قبل أسبوعين، أهداني الصديق المحقّق أحمد الحلي من العراق كتاباً يحمل عنوان «تأريخ الدولة الآفراسيابية». الكتاب استوقفني موضوعه ومؤلفه، وفتح عليّ جانباً كان مجهولاً، وعلى كثرة اهتمامي بملاحقة كل ما يصدر من وعن البحرين من كتب ودراسات، إلا أن هذه الهدية من صديقي «النجفي» كانت إضافةً جديدةً على وعيي التاريخي الذي يتشكل بكثير من الدهشة والانبهار.

الكتاب دراسةٌ وتحقيقٌ لمخطوطة رقدت ما يزيد عن 350 عاماً في مخازن الكتب والقماطر العراقية القديمة، ووجدت أخيراً من ينفض عنها غبار الإهمال ويبث فيها الحياة، فقد قام الباحث سعدون جاسم محمد الجزائري بدراسة وتحقيق هذا المخطوط المهم وقدّمه للقارئ، ولكن من هو مؤلف هذا الكتاب؟ وما قصة الكتاب وموضوعه؟

المؤلف هو العلامة الأديب الشيخ عبدعلي بن رحمة الحويزي البحراني الشهير بـ «ابن رحمة الحويزي» (ت 1664م/ 1075هـ)، أحد جهابذة العلم والأدب في الحويزة عاصمة الدولة المشعشعية التي ظهرت في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي /التاسع الهجري، واستمر حكمها قرابة ثلاثة قرون ونصف القرن.

وشخصية بن رحمة تمثل قصة من قصص النجاح، وتجسّد الطموح العالي والتوثب المغامر لواحد من أهل البحرين في القرن السابع عشر الميلادي/ الحادي عشر الهجري، الذي كان مترعاً بنبوغ عشرات العلماء والمفكّرين والأدباء والشعراء، الذين تباروا في إحياء تراث أمتهم العريق، ولاسيما في البصرة والجزائر (في جنوب العراق) والحويزة.

تضمن كتاب الحويزي البحراني معلومات مهمة شهدتها هذه المنطقة، وهو مصدرٌ مهمٌ جداً للمعنيين بالتاريخ والسير، لأنه يؤرّخ حقبةً لم يتطرق إليها غيره في كثير من أحداثها في نواحي الحياة المختلفة.

اختلف المؤرخون في اسم وألقاب بن رحمة الحويزي، فقال اسماعيل باشا البغدادي (ت 1920): «اسمه عبدالعلي بن ناصر بن رحمة البحراني الحويزي»؛ وقال البلادي البحراني (ت 1922): «الشيخ عبدعلي بن ناصر بن رحمة البحراني ساكن البصرة»؛ وذكره عباس العزاوي (ت 1971) بقوله: «أصله من البحرين، سكن الحويزة، ومدح أمراءها، كما أقام في البصرة، ومدح آل آفراسياب».

لم تذكر المصادر سنة ولادته، ولا تُعرف البدايات الأولى من حياته ومسقط رأسه؛ ولكن محقّق الكتاب يستظهر أن ولادته كانت في بداية القرن السابع عشر الميلادي/ الحادي عشر الهجري.

قضى الطفولة والشباب في الحويزة وتعلّم في مدارسها، وتتلمذ على أساتذتها وشيوخها، ووثّق صلته بأمرائها، ولاسيما الأمير خلف بن مطلب المشعشعي (ت 1663م/ 1074هـ).

ويبدو من بعض الإشارات في مؤلفه، أنه كان ميسور الحال، وبحكم ملازمته للأمير آفراسياب باشا وولده الأمير علي باشا؛ كانت علاقته الاجتماعية واسعة؛ فهو يجالس العلماء والأمراء والأعيان وعليّة القوم، وكانت حياته موزّعةً بين الحويزة والبصرة.

درس بن رحمة على يد الشيخ البهائي (ت 1622م/ 1031 هـ)، والشيخ عبداللطيف بن أبي جامع الحارثي الهمداني (ت 1640م/ 1050هـ)، الذي تصدّى للتدريس، وتخرّج عليه عددٌ من الأعلام، وانتقل إلى الحويزة وتقلّد منصب شيخ الإسلام في الدولة المشعشعية، وامتدت مشيخته إلى تستر (شوشتر) التي كانت يومئذٍ تابعةً للدولة المشعشعية.

نشأ بن رحمة في مقتبل عمره في الحويزة عاصمة الدول المشعشعية، وأمضى بقية حياته في البصرة، عاصمة الدولة الأفراسيابية، المجاورة للدولة المشعشعية، اللتين شهدتا أحداثاً سياسيةً متزامنة، فاستعرض الأحوال السياسية في البصرة قبل هذه الدولة، والتي مهّدت لنشوئها.

كان تاريخ البصرة الثقافي في زمن بن رحمة وثيق الصلة بما يجري في العراق الذي خضع لغزو مغولي، وتعاقبت عليه الحكومات الأجنبية، وكثرت على أرضه الحروب والكوارث والأمراض.

أمضى بن رحمة الشطر الأول من عمره في الحويزة، ينهل من منابعها العلمية ويتعلم من شيوخها ويجالس أساتذتها ويرتاد مدارسها ومكتباتها، ثم وفي العقد الرابع من عمره توجّه نحو البصرة، لينخرط في الحياة الثقافية ويتصل بأمراء الدولة المشعشية، الذين أولوا العلم والأدب عنايةً فائقةً، وفتحوا أبوابهم للمفكرين والشعراء، حيث لم تكن هناك حدود ولا فواصل بين الحويزة والبصرة في المجال الثقافي آنذاك، فأجزلوا لهم العطاء وبالغوا في إكرامهم. وكان بن رحمة أحد من التحق بحاشيتهم، إلى أن أصبح شاعرهم الأثير، حيث استأثر بهذه المنزلة منذ التحاقه حتى وفاته.

وبعد أن نضج تحصيل بن رحمة، ووجد مدن الدولة المشعشعية مزدهرة بالثقافة، حيث كثُر فيها التأليف وزاد عدد العلماء والأدباء، إلا أن التقدير الذي حصل عليه مبدع مثله لم يكن يتناسب مع موهبته، فجاب أرض العراق والتقى عدداً من الوجهاء وزعماء القبائل، وعبّر عن هذه الحالة شعراً فقال:

في كل أرض إن أردت رأيتني كالريح إما داخل أو خـارجُ

لا يستقر لــي المقــام فها أنـا غادٍ الى طلب العلى أو دالجُ

كلِفٌ بضربِ الأرضِ أحسـب أنها كرةٌ لها أيدي المطي صـوالجُ

دخل بن رحمة بغداد واتصل بأعيانها وأدبائها، كما قصد شبه الجزيرة العربية وجاور مكة المكرمة، وحصلت له مطارحات ومدح أميرها الشريف راشد بعدة قصائد. ولكي يجد ما يرضي طموحه، قصد البصرة (عاصمة الدولة الافراسيابية يومها)، فوجد ترحيباً بالغاً من أمرائها، ولا سيما ثانيهم (علي باشا بن افراسياب) الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه.

ويبدو أن دخوله ضمن حاشية الأمير علي باشا، مثل المرحلة المهمة من حياته، فألّف معظم مصنفاته، وبذل جهوداً مثمرةً لرفع المستوى الثقافي لبناء الدولة بتشجيع من أمرائها. ويذكر بن معصوم (ت 1708م/ 1120هـ) أنه «اتصل بحكام البصرة وولاتها، فوصلته بأسنى أفضالها وأهنأ صلاتها، وهبت عليه من قبلهم رخاء الإقبال وعاش في كنفهم بين نضرة العيش ورخاء البال».

قال عنه الشيخ فتح الله الكعبي: «كان نادرة زمانه في جميع العلوم، وله من سرعة الخاطر ما لا يوجد لغيره إلا ما يحكى عن البديع الهمداني».

ويبدو أن تألقه في مجتمع البصرة، واستئثاره بمنصب كاتب الدولة الافراسيابية وشاعرها، وتمتعه بحالة الاستقرار ونعومة العيش، أتاح له فرصاً مهّدت له التفرغ للتأليف والكتابة والتعليم، وقد كان قبل وصوله إلى البصرة يتبرّم من عيشه ويشكو مصائب الزمان وتكالب الأحزان.

تركت لنا عبقرية بن رحمة الحويزي وموسوعيته، العديد من المؤلفات تزيد عن الثلاثين وصل إلينا أغلبها؛ فقد ألّف في الفقه والحديث والتفسير والمنطق والأصول والنحو وعلم الكلام والفلك والطب والفلسفة والبلاغة والموسيقى والتصوف والآداب، شعراً ونثراً. أما عن شاعريته، فهو من البارزين من شعراء عصره وله ديوان شعر وكتابان شعريان آخران، وكتابه «قطر الغمام في شرح كلام الملوك، ملوك الكلام» يحوي الكثير من قصائده المتناثرة في مؤلفاته النثرية والمصادر التي ترجمت له.

إن الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها، وفي وقت ما، في مكانٍ ما بعيداً عن هذه الأرض، كان البحرينيون يزرعون أسباب الحياة... والحقيقة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/834368.html