صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4119 | الإثنين 16 ديسمبر 2013م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

محمد علي التاجر... حكاية من الماضي

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

بالقرب من محل بوهندي بائع اللؤلؤ الشهير في المنامة، وعلى غرب المحل حيث يفصل بينهما زقاق صغير، كنت ستعثر على دكان صغير يقع بالقرب من سراديب وسكن «البانيان» العاملين في مهنة الصياغة، القريبين من المعبد الهندوسي. في داخله رجل عجوز منكب على مكتبه، يقلب بين يديه صفحات الكتب القديمة، أو يبرى قلماً، أو يتأمل مجموع الطوابع البريدية أو يدني إلى عينه بضع عملات قديمة يقلبها بزهو وانشراح. وليس هذا المكان ذو الجدران الطينية والحصى البحري، والدنجل، والكتب العتيقة المصفوفة بعناية وحرص سوى مكتبة الشيخ محمد علي التاجر (ت 1967)، الأديب والمؤرخ الكبير.

للشيخ التاجر، أكثر من وصف وعنوان، لكن اهتمامه بالأدب والتاريخ هو أبرز هذه العناوين، فهو عاقد اللآل وناظم الدرر، فكتاباه المهمان «عقد اللآل في تاريخ أوال» و»منتظم الدُرّيّن في تراجم علماء وأدباء الاحساء والقطيف والبحرين»، من أشهر ما خلّف هذا الرجل الطموح الذي قهر ظروفه وجابه التحديات بإيمان راسخ وعقل متوثب في زمن كانت فيه الكتابة التاريخية عملية مضنية لا يتنكبها المرء في العادة بجهد فردي، بل هي تكليف يصدر بـ «فرمان» حكومي ترصد له الأموال وتوفر له كافة التسهيلات الممكنة.

هو الشيخ محمد علي بن أحمد بن عباس «التاجر» بن علي ابن الشاعر البحراني صاحب المراثي الحسينية الشيخ إبراهيم بن محمد بن حسين آل نشرة الماحوزي، وينتمي إلى أسرة معروفة بـ «التاجر» تقطن المنامة، ومن أعلامها: أخوه الشيخ سلمان التاجر شاعر الرثاء الحسيني الشهير، وابن أخيه الأديب الشيخ أحمد بن سلمان التاجر. أما اللقب الأصلي لهذه الأسرة فهو «آل نشرة» وهو لقب جدهم المعروف بالشيخ إبراهيم آل نشرة. وموطن هذه الأسرة في الأصل كما يستظهر الأستاذ سالم النويدري قرية «الماحوز» الشهيرة بإنجاب العلماء الأفذاذ. في صباه تنقّل محمد علي التاجر مع والده بين البحرين والهند، فوالده كان من تجار اللؤلؤ، وكانت أسواق الهند هي نقطة التلاقح الحضاري آنذاك ما بين الخليج والهند. وعندما عمّ الكساد أسواق الخليج، استقر الشيخ في البحرين، وتعامل في العقارات والأراضي الزراعية، هو وأخاه عباس بن سلمان (ت 1925)، ثم قام أخوه عباس الذي كان هو الآخر مولعاً بالأدب بشراء مكتبتهم التجارية من الهند، وتم افتتاحها في حوالي العام 1921، وأطلق عليها اسم «المكتبة العباسية» نسبة إلى صاحبها الشيخ عباس. لم تكن المكتبة بعيدة عن سوق الطواويش، بل كانت تقع في ركن منه، والتجأ إليها طواويش اللؤلؤ، يتداولون أخبار الأدب والثقافة بعدما كسدت تجارة اللؤلؤ. وكان الأخوان يعتبران من هواة الأدب في بحرين العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، ومن هنا جاء اهتمامهما بالمكتبة والكتب، وكانت المكتبة هوايةً أكثر منها تجارة. وللأسف فإن كثيراً من تلك الذخائر التي كانت تضمها المكتبة العباسية بيعت في المزاد العلني بعد وفاة الشيخ.

كان الشيخ التاجر نهماً في القراءة، وأعجوبةً في شدة الحرص على اقتناء الكتب، وقد ظلّ شغفه بالقراءة متواصلاً حتى أيامه الأخيرة حتى كلّ بصره. وفي أواخر حياته استحوذت عليه هواية جمع الطوابع البريدية.

درس محمد علي التاجر في البحرين عند المعلم «طربوش» وهو خطّاط وكاتب، ولدى خديجة بنت نصر العصفور، وهي جدّة التاجر المشهور منصور العريض، حيث تعلّم لديهما مبادئ الحساب والقراءة والقرآن. ثم درس في مدرسة العجم في أثناء سفره مع والده أثناء رحلات اللؤلؤ التجارية إلى الهند. وعندما أسست المدرسة الجعفرية العام 1946 تم تشكيل مجلس إداري كان الشيخ محمد علي التاجر أحد أفراده، بالإضافة إلى عبدعلي بن رجب، سيد أحمد العلوي، سيد عدنان الموسوي، وكان مديرها عراقياً، هو عبدالله بن جمعة.

كان من مؤسسي دائرة الأوقاف الجعفرية ودائرة أموال القاصرين، ومن المساهمين في بناء مدرسة الهداية الخليفية. ولقد استفاد الشيخ التاجر في كتابه «عقد اللآل» الذي أخرجه الإعلامي البحريني إبراهيم بشمي، من كتاب ناصر الخيري «قلائد النحرين في تاريخ البحرين»، ومن جهود أخيه الشيخ عباس الذي كان مولعاً بجمع الشوارد والفوائد التاريخية. يقول الشيخ التاجر: «كما لا يسعنا تجاهل حضرة الأديب الفاضل المحقق المدقق المرحوم ناصر بن مبارك الخيري، فإنه والحق يقال قد أجهد نفسه من سنين في تأليف تاريخ البحرين وتوخّى فيه التحقيق والتدقيق والتنبؤ فأجاد وأفاد». فالتاجر اطلع على كتاب الخيري واستشهد به، وانتقى منه بعض الفقرات ضمنها كتابه، إضافةً إلى رجوعه للكتب التاريخية والمصادر القديمة وبعض المصادر الفارسية.

ومن الملاحظ أن مسودة هذا التاريخ لم يكمله الشيخ محمد علي التاجر، حيث أن كثيراً من التواريخ، أو المعلومات، قد تركها المؤلف فارغة حتى يستكملها كما يبدو فيما بعد، كعادة المؤرخين، ولكنه للأسف لم يكملها حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى. وينظر عدد من المهتمين بتاريخ البحرين بكثير من الريبة والشك إلى النسخة التي صدرت عن مؤسسة الأيام بعناية الأستاذ بشمي، لكن الحقيقة أن صدور الكتاب بنواقصه أفضل من بقائه عرضة للضياع والتلف، ويبقى الأمل معقوداً على خروج نسخ أفضل وأكمل للكتاب.

وأما بالنسبة لكتاب التاجر الثاني «منتظم الدرين»، فقد بقي هو الآخر مخطوطاً بعد وفاة صاحبه أربعين عاماً! إلى أن اضطلع الشيخ ضياء بدر آل سنبل من مؤسسة طيبة لإحياء التراث، بإخراجه محققاً في ثلاثة أجزاء. وتبرز أهمية الكتاب في التتبع الذي تميّز به المؤلف حيث كان مطلعاً في التراجم والتاريخ واللغة والأدب، إضافةً إلى جمعه الكثير من المخطوطات النادرة والوثائق المهمة التي ساعدته في الحصول على معلومات مفيدة في تراجمه لأعلام المنطقة. وهذا ما يظهر من مراسلاته مع الشيخ فرج آل عمران القطيفي (ت 1978) الضليع بتاريخ المنطقة الأدبي والتاريخي وصاحب «الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية». وكان نجله الأستاذ علي التاجر (ت 2006) يملك الكثير من تراث والده، وسمعت أن هذا التراث قد آل إلى العائلة في إمارة دبي عند رجل الأعمال الشهير مهدي التاجر، ابن شقيق الشيخ محمد علي التاجر.

توفّي التاجر العام (1967) ودفن في المقبرة الكبيرة في المنامة المعروفة بمقبرة الحورة، بعد عمر عريض حافل بالإنجازات الكبيرة التي تعكس حساً إصلاحياً وهماً اجتماعياً لدى الشيخ التاجر، أبرزها مساهمته مع ثلة من مثقفي عصره، كأخيه الشيخ سلمان، والأساتذة سعد الشملان، وإبراهيم الباكر، وعلي الفاضل، ومحمد حسين العريض وآخرين، في إنشاء مكتبة عامة أطلق عليها «مكتبة إقبال أوال»، وذلك في منتصف العام 1913، كانت تهدف إلى تحصين الشباب يومذاك من التأثر بالنشاط التبشيري المنظم، وقد أثمرت هذه الخطوة بتأسيس نادٍ ثقافي عُرف بـ «نادي إقبال أوال»، في واحدة من أشد صفحات تاريخ البلاد نصاعة وبياضاً، حين يتجاوز البحرينيون انتماءاتهم المذهبية الضيقة التي باتت اليوم جزءًا من الخبز اليومي لسياسيي «الغفلة» و»نجوم الضجة».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/838698.html