صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4119 | الإثنين 16 ديسمبر 2013م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

آخر عمالقة القرن العشرين

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

من أوائل الكتب التي كنا نقرؤها فترة الصبا في السبعينيات، سلسلة عن «الخالدين» و»عظماء التاريخ»، وكان من بينهم أدولف هتلر وبنيتو موسوليني وجوزيف ستالين وونستون تشرشل. وبعد ثلاثة عقود، أصبحنا نكتب عن عظماء من نوع آخر، غاندي ولوثركنغ ومانديلا. إنها فارق الوعي والزمن.

النوع الأول كانوا ساسةً وقادة دول، أما النوع الآخر فبرز من القاع، ليفرض اسمه بكفاحه على دول كبرى، ويحرّر بلاده ويخلص شعبه من نير الظلم والتمييز والاضطهاد، ويحقق له الحرية والانعتاق.

اليوم، إذ يودّع العالم نلسون مانديلا إلى مثواه الأخير، فإنما يودّع آخر عمالقة النضال في القرن العشرين، الذي ارتبط اسمه إلى الأبد بنهاية نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا. وهو نظامٌ لم يكن وحيداً في العالم، وإنما كان يسيطر على عددٍ من دول القارة الأفريقية، حيث حكمت أنظمة استعمارية متسلطة لأكثر من قرنين، وكلها تساقطت واحداً تلو الآخر، حتى السبعينيات، وبقيت جنوب أفريقيا صامدةً حتى التسعينيات تقاوم التغيير. من هنا جاء سقوط هذا النظام مدوياً، باعتباره آخر القلاع العنصرية في القارة الأفريقية.

نظام جنوب أفريقيا العنصري كان نظاماً مسلحاً بأنياب نووية، وكان هو وتوأمه «إسرائيل» البنتين المدللتين للغرب الأوروبي والأميركي، وكان قادة الغرب، وعلى رأسهم الثنائي مارجريت تاتشر ورونالد ريغان، يسندانه إلى آخر الشوط، ويعتبران حركة النضال ضد النظام العنصري البربري إرهاباً.

كان الميزان الدولي لصالح النظام، وكان يستخدم القوة الضاربة لتأديب الدول المجاورة لثنيها عن تأييد الثوار، بالطريقة نفسها التي كانت تستخدم فيها «إسرائيل» العصا الغليظة لما كان يُسمّى بدول الطوق في السبعينيات. وفي الداخل كان النظام يقتل ويسجن ويلاحق المناضلين من طلاب الحرية والكرامة والمساواة. وتعرّضت حركة النضال إلى فترات من المد والجزر، تخللتها انتفاضات للأغلبية السوداء يقمعها النظام بشدة وعنف، فتقتحم قواته الأحياء الفقيرة وتبطش بالسكان والمتظاهرين العزّل دون رقيب، بينما يقف العالم صامتاً متفرجاً على المجازر وحوادث القتل والتنكيل.

كانت هناك مصالح ضخمة تربط العواصم الكبرى بهذا النظام، وكان صعباً التخلّي عنه دون وجود ضغوطات شعبية واسعة، حيث استفاد المناضلون الأفارقة في كسب تعاطف الرأي العام في الغرب. كانوا يراهنون على المستقبل، وكان النظام العنصري يراهن على لعبة التأجيل وكسب الوقت والاستمرار في لعبة خداع العالم.

كانت جنوب أفريقيا دولةً صناعيةً متقدمةً، وكانت أول عملية نقل للقلب في تاريخ الطب الحديث جرت في أحد مستشفياتها العام 1967، ولكنها كانت دولةً تسير في طريق مسدود، بالاتجاه الخاطئ للتاريخ. كانت نظاماً سياسياً متعفناً منخوراً بفلسفة عنصرية، تقودها نخبة من البيض العنصريين، الذين آمنوا بأن لهم تفوقاً عرقياً على سواهم لمجرد أن بشرتهم بيضاء، وذلك يبرر لهم السيطرة على الآخرين واستعبادهم وتحويلهم إلى عبيد.

كان النظام على تقدّمه العلمي والصناعي، يعاني إلى حد التدهور والانحطاط، من هذه الآفة التي طالما فتكت بالأمم والدول والحضارات الأخرى. كان يقاوم التغيير والاستجابة لمتطلبات العصر، وكان مانديلا في زنزانته يراهن على ربح المعركة في الأخير. وقد كان محقاً في رأيه وربح الرهان.

العالم تغيّر، ولو مات مانديلا في الثمانينيات، لربما طوى النسيان حكايته فيما طوى، لكن الله مدّ في عمره ليخرج من زنزانته ويوقّع على شهادة نهاية نظام الفصل العنصري.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/838703.html