صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4133 | الإثنين 30 ديسمبر 2013م الموافق 18 جمادى الأولى 1445هـ

الطب الخاص والطب العام واستراتيجيات وزارة الصحة (1)

الكاتب: أحمد سالم العريض - comments@alwasatnews.com

«سئل رجل كان يشهد على آخر بالكفر عند الأمير فقال «إنه خارجي، معتزلي، ناصبي، حروري، جبري، شيعي، رافضي يشتم علي بن الخطاب، وعمر بن أبي قحافه، وعثمان بن أبي طالب وأبا بكر بن عفان، ويشتم الحجاج الذي هو والي الكوفة لأبي سفيان وحارب الحسين بن معاوية يوم القطايف (أي يوم الطف)، فقال الأمير: قاتلك الله ما أدري على أي شيء أحسدك أعلى علمك بالأنساب أو بالأديان أم المقالات».

فعلى أي شيء يحسد الطاقم الإداري الذي يدير مفاصل وزارة الصحة؟ أعلى علمهم بالإستراتيجيات الصحية أو بالطبابة العلاجية أو التخطيط لمنظومة علاجية تفصل الطب العام عن الخاص؟

كتبت في مقال سابق («الوسط»، العدد 4082) عن زيادة الشكاوى ضد الأطباء والمستشفيات الخاصة خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث كانت هذه الأخطاء نادرة قبل ذلك وخصوصاً الأخطاء التي تؤدي إلى الوفاة أو لإعاقة مستديمة. وبينت إنه أمام انتشار المراكز العلاجية وتعدد المستشفيات الخاصة وتوسع الخيارات أمام المواطنين وذويهم، وإدراك الطرق العلاجية الحديثة، فقد بدأت القضايا الموجّهة ضد الأطباء والعاملين في هذا المجال العلاجي أو ذاك في الزيادة، ما استدعى إنشاء مؤسسة للرقابة العلاجية، وهي «الهيئة العامة لمراقبة المهن الطبية». ولكن هل قامت هذه الهيئة بعملها بجديةٍ وإخلاص؟

هل ما نجده في البحرين حالياً وبعد السماح لهذه المستشفيات الخاصة، إنها استقطبت خيرة الأطباء والأساتذة من بلدانهم؟ أم أن معظم من يعمل في هذه المستشفيات من أطباء وطواقم تمريضية استجلبوا من المستشفيات الآسيوية وغيرها، وهم أقل كفاءةً ومقدرةً وقليلي خبرة علاجية، مقارنةً مع الأطباء العاملين في الطب العام؟

فحبذا بعد هذه المقدمة، الطلب من المنظومة العلاجية التي تدير وزارة الصحة والخدمات الصحية، عمل مقارنةٍ بين نسبة هذه الأخطاء والوفيات الناتجة عنها، وكذلك نسب وفيات الأطفال حديثي الولادة ونسب الوفيات نتيجة الأمراض الوراثية المزمنة والنسب الأخرى المنصوص على نشرها من قبل منظمة الصحة العالمية، لتقييم هذه الدول المنظومة تحت إشراف هذه المنظمة، ومقارنة هذه الأرقام بالنسب التي اكتسبتها البحرين قبل نقل إدارة وزارة الصحة إلى المنظومة العلاجية الجديدة إدارة تقديم الخدمات الصحية للمواطن والمقيم في البحرين لتوضيح الأسباب التي أدت للزيادة في هذه الأخطاء والتي نتج عنها زيادة الوفيات للمرضى نتيجة لهذه الأخطاء.

هل اللجان التي تم تعيينها بواسطة المجلس الأعلى للخدمات الطبية استوفت الشروط المهنية لتقييم هؤلاء الأطباء الذين جلبوا من خارج البحرين وخصوصاً إذا علمنا أنه تم تعيين رئيس لأحد هذه اللجان هو أحد الأطباء الذين يديرون أحد المستشفيات الخاصة، ما سيؤدي لأخذ قرارات تؤدي للتمييز، وهو ما سينتج عنه كثير من السلبيات.

وكما قلت في مقالي السابق أن أحد أسباب زيادة الأخطاء الطبية هي نتيجة طبيعية للقرارات التي ستأخذها هذه اللجان، وهي كذلك ستكون نتيجة متوقعة لضعف المنظومة العلاجية التي تدير وزارة الصحة وإبعاد الكوادر الإدارية المدنية التي أدارت وزارة الصحة لعقود منذ تنظيمها في بدايات القرن الماضي.

كنا قبل عقدين ننادي بالتوفيق بين الطب العام وممارسة الطب الخاص، وكيف يمكن التوفيق بين ممارسة العلاج بين هاتين المنظومتين، وكيف يمكن حماية المرضى خلال تلك الممارسات، وذلك لتحقيق الغرض الصحي المطلوب منها. وقد أثيرت أسئلة في ذلك الوقت مثل:

هل مهنة الطب الخاص يجب أن تخضع إلى طلب السوق في تحديد الأسعار زيادة أم نقصانا؟ أم يجب أن توضع القيود والضوابط لتحديد الأسعار؟ وهل يسمح للأطباء الاستشاريين في القطاع الحكومي فتح عيادات خاصة يمارسون فيها تطبيبهم إلى جانب عملهم في المستشفيات العامة؟

هذه الأسئلة وغيرها أثيرت وستثار في المستقبل، ومما لاشك فيه أن ممارسة مهنة التطبيب هي في تطور مستمر طيلة القرون الماضية، واستطاع الإنسان أن يخضع لسيطرته علاج كثيرٍ من الأمراض الفتاكة، وقضى تقريباً في هذا القرن على أمراض مثل الجدري والطاعون والجذام، والعاملون في المجال الطبي والدوائي يحاولون القضاء على الكثير من الأمراض الفتاكة الأخرى.

كذلك تطور الطب في مجال الجراحات، وتم استئصال أعضاء تالفة في الإنسان وإبدالها بأعضاء سليمة من إنسان آخر، كذلك حصل تطور عظيم في علم الأدوية وأدوات التشخيص، فتمكّن الأطباء بواسطتها من تشخيص أمراض لم تكن معروفة في السابق. كل ذلك حصل نتيجة للجهد الإنساني الخلاق الذي ساهم فيه جميع العاملين في المجال الطبي بغير استثناء، طيلة هذه القرون الماضية.

بقى شيء واحد على حاله كما كان، وهو العلاقة الإنسانية بين المريض وطبيبه... هذه العلاقة استمرت على مر العصور كما هي لم تتغير. ولاشك أن لتطوير العلم الطبي الحديث دوراً في توثيق هذه العلاقة للأحسن، فكلما زاد علم الطب غزارةً وخبرته غنىً، تمكّن من إنماء هذه العلاقة الإنسانية وأكسبها مزيداً من الثقة.

مراقبة المهن الطبية في العهود الإسلامية

منذ القدم نرى أن ممارسي هذه المهنة يشترط فيهم قدر يسير من المعرفة والدراسة، وكانت تعتبر ممارسة مهن الطب بالنسبة لشعوب الحضارات القديمة من الأسرار التي لا يجوز للعامة الإطلاع عليها. لذلك اعتبرت ممارسة الطب عند هذه الشعوب نوعاً من الإلهام الإلهي تتوارثها عائلات لا يجوز إطلاع الغرباء عليها. وقد حرصت بعض العائلات الإغريقية على الاحتفاظ بهذا الميراث الطبي وتناقلته.

وبعد أن اتسعت رقعة العالم الإسلامي وفتحت أمام المسلمين علوم بلاد الإغريق والهند وفارس، وبعد أن تمت ترجمة وتنسيق وهضم هذه المعلومات الطبية، انتشرت الموسوعات الطبية باللغة العربية، واطلع كثيرٌ من الناس على أساليب العلاج والشفاء وانتشر باعة العقاقير والأدوية، وكذلك انتشر عمل الباحثين، وكان ذلك في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وكان لابد من وضع ضوابط وقوانين تحدّد ممارسة هذه المهن، وقد كان للأطباء في تلك العصور الإسلامية الأولى وضع اجتماعي متميز، فقد وضعوا في أعلى السلم الهرمي في المجتمع. لذلك نرى أن الطبيب في بلاط حكم الخلفاء العباسيين يسمى «المحتسب»، ويأخذ وضعاً اجتماعياً لا يخضع إلا إلى تعاليم الخليفة المباشر لتنظيم عملية الطب والعلاج في المجتمع.

كان المحتسب ينظم إدارات الصحة في المجتمع الإسلامي ويقوم بتعيين الأطباء، ويحدّد مهن العطارين وبقية المهن التي لها علاقة بالتطبيب، كذلك عليه ملاحقة الدجّالين وعزلهم، وتنظيم مهنة العطارين ومنحهم التراخيص بمزاولة المهنة. كما كان لهم جمعيات خاضعة لإشراف المحتسب، الذي يمتلك الحق بتفتيش جميع المحلات التي تزاول بها مختلف المهن الطبية والصيدلية.

كذلك على المحتسب وضع قوانين لتطبيق هذه الممارسات في مؤلفات تأخذ غالباً صفة فقهية وطبية. هذه المؤلفات تتضمن تعيين الشروط التي يجب توافرها في الطبيب للسماح له بممارسة المهنة، وقوانين الممارسة وطرق مراقبة كل مهنة على حدة. وأشهر تلك المؤلفات كتاب «نهاية الرتبة في الحسبة» الذي قام بوضعه طبيب حلبي يدعى عبدالرحمن الشيرازي في القرن الثاني عشر للميلاد. (يتبع).


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/843027.html