صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4147 | الإثنين 13 يناير 2014م الموافق 22 ذي القعدة 1445هـ

مكتبة الشيخ محمد صالح العريبي

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

للراحل الشيخ محمد صالح العريبي (1924 - 2000) مكتبة غنية بالمخطوطات النادرة، وهي جديرة بأن يتعاقب المحققون على تمهيد السبيل للانتفاع بها والاستمداد منها بوصفها إرثاً وطنياً بالغ القيمة.

لم يعرف عن الشيخ العريبي أنه كان ناشراً للكتب المخطوطة، لكنه كان في طليعة المهتمين بالتراث المخطوط لعلماء البحرين، ومن الذين ساهموا في جمعه وحفظه، ومن الطبيعي أن عملية إحياء التراث تتشكل من حلقات متصلة وخطوات منتظمة تبدأ بالجمع والحفظ وتتواصل في صور شتى من نشر أو تفسير أو تلخيص أو نقد أو تعليق.

كان العريبي إلى جانب انشغاله بتدريس العلوم الدينية والقضاء الشرعي وحل النزاعات بين الناس؛ مغرماً بجمع التراث والمخطوطات، وإن جاءته هذه الهواية والغواية في مرحلة الشيخوخة، وكم تأسف (رحمه الله) على ما فاته من فرص كانت ستضع يده - لو استغلها - على كنوز جليلة من المخطوطات والتراث العلمي غير المنشور.

وقد نقل لي الشيخ محمد عيسى المكباس، وهو من تلامذته الذين ورثوا عنه حب التراث والمخطوطات، أن الشيخ العريبي لطالما كان يتأسف على أيام شبابه التي قضاها قريباً من الشيخ حسين علي البلادي البحراني (ت 1967) صاحب كتاب «رياض المدح والرثاء» وابن الشيخ علي البلادي مؤلف كتاب «أنوار البدرين في تراجم علماء الاحساء والقطيف والبحرين»، والذي «كانت مكتبته تضم نفائس المخطوطات وذخائر التراث، إلا أن اهتماماتي يومها - يقول العريبي - بعيدة عن المخطوطات، وكانت النجف الأشرف إلى ذلك تشهد مزاداتٍ للكتب القديمة والمخطوطات التي كانت تباع بأثمان زهيدة بسبب ما يعيشه طلاب العلوم الدينية والمجتمع النجفي بعمومه من أوضاع مادية صعبة».

إنني من الأشخاص الذين يعتقدون بأن التاريخ لم ينصف إسهامات البحرينيين العلمية والأدبية عبر العصور بالشكل الذي يتناسب مع دورهم الحقيقي والكبير فيه، ولعل أبرز مصاديق ذلك ما نعثر عليه جهلاً أو تجاهلاً بهذا الماضي العريق والجميل لدى الجيل الطالع اليوم من رحم شواغل السياسة ووطأة تداعياتها الإنسانية في الاهتمامات والأولويات، وفي الشعور النفسي المشبع بفكرة واجب تحصين الذات وما يلوذ بها من الأذى المادي.

كرس الشيخ العريبي حياته للدرس والتحصيل، فأخذ عن مجموعة من العلماء في البحرين وخارجها منهم والده الشيخ محسن العريبي (ت 1944) والشيخ عبدالحسين الحلي (ت 1956) والسيدمحسن الحكيم (ت 1970) والسيدمحمد علي الحمامي (ت 1998) والشيخ باقر القرشي (ت 2012).

التحق بسلك القضاء العام 1972، وفي العام نفسه افتتح مكتبة «وليد الكعبة» وباشر فيها تعليم الصلاة ودروس اللغة العربية والنحو والفقه، والحق أن أستاذنا منصور سرحان قد اشتبه وهو يؤرخ للمكتبات في البحرين، فخلط بين مكتبة العريبي الشخصية، ومكتبة «وليد الكعبة» التي أسسها ونقل إليها «بعض» المخطوطات وهي تختلف عن مقتنياته الخطية الراقدة في مخازن منزله المحجوبة عن أنظار الزائرين. فذكر سرحان «يبلغ محتويات مكتبة وليد 2150 مطبوعاً من بينها 150 مخطوطة».

لم يبخل العريبي بما عنده من الكتب الخطية النادرة في مساعدة طلاب العلوم الدينية وطلاب الدراسات العليا للتحقيق والكتابة. وكان من الذين أفادوا من مكتبته العامرة عددٌ من طلاب الدراسات العليا منهم الشيخ زكريا العويناتي التي جاءت رسالته في الماجستير عن ديوان السيدخليل بن علوي الجدحفصي (ت 1892) المعروف بـ «ابن يتيم» قدم فيها دراسة وتحقيقاً لديوانه لجامعة القديس يوسف (2004)، ويبرز الديوان كأهم مخطوط شعري، وضم أغراضاً من الشعر كالغزل والهجاء والمدح، كما ضمّ وصفاً للبحرين وذكر بعض مناطقها كالمنامة والبلاد.

وكان العريبي يعتمد طريقة حذرة ومميزة في مساعدة من يتوسم فيهم الجدية والرغبة في العناية بالتراث والتعامل مع المخطوطات، إذ كان يعتمد طريقة «مبادلة» نسخ من مخطوطة يملكها بنسخة من مخطوطة لا يملكها، وربما أعان الراغب بالحصول على مخطوطة نادرة بإلزامه بطباعة المخطوط نسختين لإتاحة نسخة احتياطية في مكتبته لمن يشاء من الباحثين والمهتمين، إذ كان العريبي يفتح مجلسه مساء كل يوم ظهراً إلى وقت المغرب.

ويؤكد العارفون بالشيخ أنه كان ضنيناً على إتاحة موجودات مكتبته من المخطوطات، حذراً من وضعها في يد من لا يقدّر قيمتها.

كما ضمّت المكتبة قصائد مخطوطة كثيرة ومتنوعة، من بينها مخطوط شعري لعبدالله بن صالح بن جمعة السماهيجي (ت 1723) ومخطوطة «منتظم الدرين» لمحمد علي التاجر وهي بخطه. وللتاجر مخطوطة أخرى بعنوان «عقد اللآل في جزيرة أوال» ونسخة من مخطوطة «لؤلؤة البحرين» للشيخ يوسف البحراني.

وقد وصف الشيخ محمد عيسى المكباس في كتابه «فوائد الأسفار في وصف مخطوطات علماء البحرين الأبرار» نحو 48 مخطوطاً من مكتبة الشيخ العريبي، ويشير المكباس إلى ملاحظات طريفة حول شراء الشيخ العريبي لبعض المخطوطات من مكتبة الشيخ محمد علي التاجر؛ فقد اشترى الجزء الثاني من كتاب «أزهار الرياض» للشيخ سليمان الماحوزي بمبلغ 800 فلس، واشترى كتاب «أوراد الأبرار في مأتم الكرار» للشيخ حسن الدمستاني بـ 250 فلساً!

كما كانت مكتبة الشيخ العريبي واحدة من المكتبات التي أفاد منها مدير مركز الوثائق التاريخية علي أبا حسين في «فهرس مخطوطات البحرين» الذي أصدره المركز العام 1983 والواقع في جزأين، حيث ضم الفهرس وصفاً لعشرات المخطوطات من مكتبة الشيخ العريبي.

ولكن أين ذهبت هذه الذخائر التراثية بعد وفاة الشيخ العريبي؟

انتقلت المكتبة بعد رحيل الشيخ إلى ملكية أكبر أولاده الشيخ عبدالحسين العريبي الذي سلّمها بدوره لابن عمه علي العريبي، ولأن الطموح وقتها كان باتجاه إنشاء مركز إسلامي ضخم ومتكامل الأغراض باسم الوجيه الحاج حسن العالي (ت 2003)؛ فإن هذا الإرث النفيس انتقل إلى يد الوجيه جلال العالي، على أمل أن يشكّل بذرةً لمركز علمي طموح ينمو مع الوقت.

ولسنا نعلم على وجه اليقين كيف سيتم الاستفادة من هذه المكتبة في ظل موانع اليوم، وإن كان بعض مقتنياتها قد أفلت من غبار المخازن المعتمة ووجد طريقه إلى النشر، لكن الأكيد أن إتاحتها للباحثين والمهتمين يعد مسئولية وطنية وواجباً تتضاعف أهميته في ظل محاولات المحق الثقافي المتواصل. نسأل الله الفرج.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/847218.html