صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4147 | الإثنين 13 يناير 2014م الموافق 25 جمادى الأولى 1445هـ

سجن جو

الكاتب: مريم أبو إدريس - comments@alwasatnews.com

دخلت المملكة فصل الشتاء قبل أسابيع ويبدو هذا الشتاء أكثر قسوة من سابقيه على مدى أعوام مضت، ليس في دول الخليج فقط التي غطتها الأمطار على مدى أسبوع مسببة خسائر فادحة قبل دخول الشتاء رسمياً بل في كل المنطقة المحاذية لها التي شهدت انخفاضات هائلة ومفاجئة في درجات الحرارة وارتفاع شدة وسرعة الرياح.

إن المناطق العالية العمران والتي منطقياً تكون أكثر دفئاً يشكو قاطنوها من شدة البرد رغم توفر الإمكانات الضرورية للتخفيف من وطأته، بينما يلبس نزلاء سجن جو المحاذي للبحر الملابس الصيفية ومنع ذويهم من إدخال ملابس شتوية بسبب عدم وضوح القرارات للموظفين المعنيين فيما يتعلق باستلام الملابس أو تمكين النزلاء من شراء الملابس المناسبة من سوق السجن لعدم توفرها بالكمية التي تغطي احتياجات جميع النزلاء، مع يقيننا أن ذلك يجب أن يوزع مجاناً وأن تتحمل نفقته الدولة لا أن يكون السجن مصدراً للربح التجاري دون مراعاة للظروف المادية للنزلاء.

لقد تراجعت عن طرح الأمر قبل مدة حين ارتفعت شكاوى الناس منه ذلك غير أن محادثة مع أحد النزلاء أكدت لي أن إدارة السجن قد بدأت بالسماح بذلك. وحفاظاً على مصداقية الكلمة سحبت المقال قبل النشر، لكني تيقنت من صدقه من خلال تجربتي الشخصية الأسبوع الماضي، ولولا التواصل مع مدير السجن مباشرة لما تم الأمر. ويقيننا أن ذلك ليس حلاً ولا يجب أن يكون استثناء بل أمر يطبق بكل سهولة ووفق إجراءات سلسة.

إن الظروف التي يجبر النزلاء على تحملها من برد ونقص في الأدوات الأساسية وتضييق على إدخال الكتب ومصادر المعرفة وإخضاعها لوجهة نظر أحادية، يجعل حرية الرأي والمعتقد غير مصانة كما ينص دستور مملكة البحرين، وهو أمر لابد من إعادة النظر فيه وبلورته وفق مواد الدستور التي تبدو مثالية جداً عند مقارنتها بواقع الحال في البلاد، حيث لم يعد لتطبيق الدستور أي اعتبار لدى كثير من المسئولين.

إن الحديث عن الظروف اللاإنسانية المعتمة التي يعاني منها النزلاء في السجون البحرينية لا يمنعنا من التطرق أيضاً إلى أن مسمى الإصلاحية لا يمكن اعتباره واقعاً إلا في حال انتهاج برنامج متكامل ومطبق يعمل على إصلاح النزيل نفسياً ومجتمعياً ومعرفياً، وتهيئته للاندماج في المجتمع مستقبلاً. وهنا أشير بشكل خاص إلى النزلاء ذوي القضايا الجنائية وليست السياسية ممن يعانون من مشاكل الاندماج في المجتمع لاحقاً أو عدم تعلمهم صنعة أو حصولهم على شهادة تعينهم على رفع كفاءتهم والانخراط بشكل صحي في المجتمع. ورغم وجود مشاريع للتعليم وغيرها بالسجن إلا أن النزلاء يعانون من عدم التعاون، والذي نرى من وجهة نظرنا أن التعليم يجب أن يكون إلزامياً للنزلاء الشباب واختيارياً للأكبر سناً، كما بالإمكان أن يفتتح نادٍ للقراءة وتنظم مناقشة جماعية بالشهر للكتاب، وهذا يرفع من المستوى المعرفي والثقافي للنزلاء. ولابد أن يكون الانخراط في ورش التعليم للحرف إلزامياً، فالنزيل قد ينأى بنفسه غير راغب، وعليه يجب أن تكون هناك توعية لأهمية اكتساب هذه المعارف والاستفادة منها لاحقاً، بل يمكن بيع المنتجات وحصول النزيل على عائد مادي لقاء عمله يمكن أن يستثمره لاحقاً عند انتهاء محكوميته.

إن الأفكار كثيرة وربما موجودة ولكنها غير مطبقة كما يجب وهنا يأتي دور المسئولين في العمل على تفعيل ما يخدم الفئة التي يتعاملون معها.

إن السجن يصبح مكاناً للانتقام إذا افتقر لكل ما يمكن أن يعين الشخص على أن يكون فاعلاً في مجتمعه لاحقاً، فالعزل عن المجتمع لم يعد حلاً في ظل إحساس السجين بعزلة مجتمعية ومادية ونفسية بعد خروجه. ارتقوا بما تقدمون، فكلٌ مساءَلٌ عن عمله.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/847221.html