صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4147 | الإثنين 13 يناير 2014م الموافق 12 شعبان 1445هـ

وفي البحرين... هل يموت الحوار؟

الكاتب: محمد علي الهرفي - comments@alwasatnews.com

لست بحرينياً كما يعرف الجميع، ولكني أحب البحرين وأهلها لأنهم يستحقون هذا الحب، ولهذا أشعر بأهمية الحديث عن قضاياهم، وأتعاطف كثيراً مع ما يجري من الأحداث المؤلمة لأنني أدرك أنها تؤثر على اللحمة الوطنية مهما قيل غير ذلك. كما أنها تؤثر أيضاً على بلادي وعلى المنطقة بشكل عام، وحبّي للبحرين لا يؤثر فيه تلك الانتقادات الحادة التي توجّه لي عندما أكتب ما لا يعجب البعض، مثل حديثي عن إجرام بشار الأسد وطائفية المالكي البغيضة وما شابه ذلك من موضوعات لقناعتي أن الكاتب يعرض فكره على القراء، ولهؤلاء الحقّ في قبول أو رفض ما يشاءون .

أرجع إلى الحديث عن مآلات الحوار بين الحكومة وبين المعارضة المكوّنة من عدد من الجمعيات، والذي بدأ الحديث عنه منذ فترة طويلة، وكان هذا الحوار يتوقف ما بين آونة وأخرى، وكل جهة تدّعي أن الأخرى هي السبب في ذلك، ثم يعود الجميع إلى الحوار مرةً أخرى، ويعود الاختلاف ثانيةً وثالثةً... وفي كل مرة يتزايد الأمل بالوصول إلى حلول ترضي الجميع، ولكن النتائج تأتي مخيّبة لآمال المصلحين الذين يودون أن تعود البحرين أفضل مما كانت.

لكن تصريحات بعض مسئولي الدولة في الآونة الأخيرة أعطت انطباعاً سيئاً حول مصير الحوارات، وأوحت أن الأمور قد تتّجه إلى الأسوأ. ثم تلا ذلك صدور بيان المعارضة الذي نشرته مجموعةٌ من المواقع الإعلامية، وكأن هذا البيان يردّ على التصريحات التي نالت من المعارضة -كما يعتقدون- وفيه حديث عن مطالب المعارضة التي يرون أنه لابد من تنفيذها لبداية حقبة جديدة من التوافق الوطني بين جميع مكوّنات الشعب البحريني.

أعتقد أن الذي يقرأ البيان لابد أن يقتنع بكثير مما جاء فيه، بغض النظر عن التفاصيل التي قد يكمن الشيطان فيها، فالمطالبة بعدم التمييز في العمل حقٌّ لا يختلف فيه اثنان، فمن واجب الدولة أن تنظر إلى جميع مواطنيها بعين واحدة، وأن تثق بهم جميعاً لكي يثقوا فيها ويمنحوها الحب والإخلاص. وفي الوقت نفسه على الدولة أن تحاسب المخطئين مهما كانوا وعلى قدم المساواة، لأن عقاب المخطئ هو الذي يحقّق العدالة والأمن والاستقرار.

شخصياً أتعاطف كثيراً مع هذا المطلب؛ وكنت ولاأزال أتعجب عندما أرى مواطناً يحرم من العمل في وظيفة بينما يسمح بالعمل فيها للأجانب سواءً من العرب أو غير العرب! وكنت أسأل نفسي عندما أرى مثل هذه المناظر: لو كانت في بلادي هل سأسكت عنها؟ وكنت أحمد الله الذي جعل في نظام التوظيف في بلادي أن الأولوية المطلقة للمواطن في أية وظيفة، وأنه إذا وجد مواطن يستطيع القيام بأعباء الوظيفة التي يمارسها أجنبيٌّ، يفصل الأجنبي ليحلّ المواطن بدلاً عنه، وهذه هي العدالة.

ولعل وزارة العمل، أو جهة الاختصاص، تتخذ مثل هذه الأنظمة العادلة التي تشعر المواطن بأنه أحقّ من الأجنبي في خيرات بلاده، أمّا المساواة بين المواطنين أنفسهم فأعتقد أن هذا يحب أن لا يكون محل اختلاف على الإطلاق، لأنه لو وُجد، فسيكون وسيلة فاعلة ومستمرة للأحقاد والعنصرية والطائفية، وهذه كلها تنخر في جسد الوطن وتؤثر على سلامته ووحدته .

وأشار البيان إلى ملف المفصولين على أساس مذهبي أو موقف سياسي، سواءً في القطاع العام أو الخاص! وقد يكون في هذا المطلب مبالغة حسب فهمي، لأنني لا أتوقع أن الدولة ستفصل موظّفاً لأنه شيعي، ومع هذا فالوضوح مطلوب في هذه المسألة. وأعتقد أن لوزارة العمل أنظمة تحدد هذه القضايا بدقة، وعليها أن توضّح أسباب ما فعلته أو وافقت على فعله، فما كان نظامياً شديد الوضوح أبقت عليه أو عفت عنه، وما كان غير ذلك عادت إلى الحق وإلى النظام.

وفي البحرين محاكم تستطيع الفصل في هذه القضايا، وعليها أن تسارع في النظر فيها لارتباطها بحياة الناس ومستقبلهم، وفي نهاية المطاف فإن جلالة الملك أب للجميع وهو ينظر إلى أبنائه بحب وعطف كبيرين.

أما حرية النقد وحرية الرأي، فالذي أعرفه أن البحرين سبّاقة في هذا المجال، ولكن للحرية ضوابط يجب مراعاتها، فالدعوة إلى الإفساد والتخريب والإساءة إلى الآخرين كذباً، ليس من الحرية في شيء، وهذا الموقف عبّر عنه صراحةً ومراراً الشيخ عيسى قاسم الذي أدان الإرهاب، كما حرّم التعرّض للأنفس والأموال والأعراض، لأن كل ذلك محرّمٌ شرعاً، ومن حق الدولة إحالة من يرتكب أي جريمة إلى القضاء، ولا أعتقد أن عاقلاً يفعل شيئاً من ذلك، أما غير العقلاء فلهم مع الدولة شأنٌ آخر، وعلى العقلاء أن يكونوا إلى جانب دولتهم في حفظ الأمن وهيبة الدولة وأجهزتها . مطالب المعارضة ممكنة التحقيق، ولأن الدولة هي الأقوى وهي الجهة المنوط بها تحقيق تلك المطالب، إلى جانب واجبها في حفظ الوحدة والأمن، فإن المبادرة مطلوبةٌ منها.

وهنا يجب عدم النظر إلى أفراد المعارضة على أنهم أعداء لوطنهم، بل هم جزء من هذا الوطن يحبونه ويخلصون له مثل غيرهم، ولكن هذه المحبة يجب أن تكون متبادلةً من الطرفين ليكون الإخلاص في أفضل حالاته؛ صحيحٌ أن هناك من أساء لوطنه وغدر به، ولكن غدر القليل القليل لا يسوّغ الإساءة للجميع، ولا يؤخذ المحسن بجريرة المسيء، وهذا هو شرع الإسلام الذي نؤمن به جميعاً.

لا أقول: إن الحوار يجب أن يعود، فقد تحاورتم طويلاً ولكن القضاء على أبرز نقاط الاختلاف يجب أن يتم سريعاً، وهذا بيد صانع القرار وحده. والذي يتأمل ما يجري في منطقتنا من فتنٍ ومآسٍ كثيرة، ويتأمل كذلك الحديث الذي لا يكاد يتوقف عن مطامع البعض في منطقتنا، يدرك أن الحفاظ على بلادنا لا يتم من خلال الضغط على المواطنين، لأن هؤلاء هم الذين سيحافظون على وطنهم وسيفدونه بكل غالٍ ونفيس، ولكن قد لا يفعلون ذلك ماداموا لا يشعرون بالأمن والعدالة في أوطانهم، والتاريخ قديمه وحديثه خير شاهد على ذلك.

أخيراً... قد يغضب البعض مما كتبته، وقد يرضى البعض، ولكن عزائي أنني لا أكتب لإرضاء هذا أو ذاك بقدر ما أكتب إرضاءً لله، ولما أعتقده من الحق الذي أدين الله به.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/847223.html