صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4168 | الإثنين 03 فبراير 2014م الموافق 18 جمادى الأولى 1445هـ

الخلاف السياسي والفجور في الخصومة

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

في إحدى زياراتي للبرلمان البريطاني، تابعت من مقاعد المتفرجين نقاشاً محتدماً بين حزبي الحكم والمعارضة، المحافظين والعمال. هندسة مجلس العموم عبارة عن مستطيل متدرج، حيث في الأسفل طاولة كبيرة قديمة يكون في طرفها رئيس الوزراء، وفي الطرف المقابل زعيم المعارضة، وعلى يمين رئيس الوزراء وفي الصف الأول للمدرج الوزراء، وعلى يمين زعيم حزب المعارضة وزراء الظل (هكذا يسمونهم في بريطانيا) تيمناً بالمساواة في المكانة والمسئولية بين الحزب الحاكم والحزب المعارض اللذين يتبادلان الحكم.

وكل من تابع جلسات البرلمان البريطاني، وهي متاحةٌ عبر قناة خاصة، يستغرب أحياناً حين يسمع التعليقات اللاذعة سواءً من رئيس الحكومة أو زعيم المعارضة أو النواب عموماً، بل والتصفير (بوووه) كتعبير عن الاستهجان لكلام ما.

لكنه وبعد انفضاض الجلسة، أخذني مضيفي النائب، إلى طاولة في شرفة مطعم البرلمان المطلة على نهر التايمز حيث التقيت بنواب من الأحزاب الثلاثة، المحافظين والعمال والديمقراطي، وكانوا يمزحون بحب، وكانوا لتوهم في جدال حاد. وعندما استفسرت عن ذلك، قالوا هذا شيء طبيعي، فالنقاش الحاد تعبيرٌ عن اختلاف إيجابي، واجتهاد للمصلحة العامة، وتبقى الصداقة والود قائمين، أي أن الاختلاف وحتى الخلافات الودية هي من طبيعة الحياة الحزبية الصحية في النظام الديمقراطي الحقيقي، سواءً كان ملكيا أو جمهورياً.

لكننا نلاحظ أنه في البلدان المتخلفة، حيث الديمقراطية الشكلية، وحيث هيمنة نخبة صغيرة ملكية أو جمهورية أو جملكية كأنظمتنا العربية، فإن التعددية الحزبية الشكلية فرضتها الضرورة، خصوصاً الضغوط الخارجية، ومن أجل الإيهام بالديمقراطية داخلياً وخارجياً. وفي هذه الحالة فإن الساند هو الخصومة ما بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة.

كما كان حال الحزب الوطني الحاكم في عصر حسني مبارك، والحزب الدستوري الحاكم في تونس بن علي، وكما هو سائدٌ اليوم في السودان وإلى حدٍّ ما الجزائر. وفي هذه البلدان هناك اندماج ما بين الدولة والحزب الحاكم والنخبة الحاكمة، وموارد الدولة وأجهزتها من الأمنية حتى الإعلامية، تُسخَّر لتأبيد الحزب الحاكم والنخبة الحاكمة والرئيس الحاكم، وتهميش المعارضة وإضعافها وتمزيقها، وزرع الخلافات فيما بينها. وأحياناً وفي ظل الحوار السياسي، تنجرّ أحزاب المعارضة إلى خصومات لا لزوم لها، مثل من يختلفون على اقتسام السمك وهو في البحر.

لكن الحالة الأسوأ هي الفجور السياسي، وهي حالة متقدمة في الأنظمة الاستبدادية فعلاً، الديمقراطية ادّعاءً. وللفجور السياسي تعبيراتٌ عديدة، وتجليات سياسية منها محاصرة أحزاب المعارضة بدءًا بضرب قاعدتها من خلال سياسات محكمة بالقمع والتهميش والتمييز والتجويع، لدفعها إلى الانفضاض من حول أحزاب المعارضة والتخلّي عن قناعاتها السياسية.

كما تتجلّى في إحباط أحزاب المعارضة وشيطنتها أمام الرأي العام وأمام جمهورها بالذات، وفبركة المؤامرات والمكائد، لإظهارها بمظهر المتآمر، بل ووصمها بالخيانة والتبعية للأجنبي، وتسقيط زعمائها وتحقيرهم، بل وقد يصل الأمر إلى وضع الكمائن الجنسية وغيرها لهم، وتحويل حياتهم إلى جحيم من خلال الملاحقة، وحتى المحاكمة والسجن والإبعاد، وإسقاط الجنسية.

وهناك وجهٌ آخر للفجور السياسي، وهو الدفع بالانشقاقات داخل أحزاب المعارضة، ودسّ العملاء في أوساطها، وقد يتخذ هؤلاء طرح شعارات ثورية متطرفة من أجل الإيهام والتغطية وغير ذلك.

في موازاة ذلك، فإن الدولة وأجهزتها تعمل على دعم أحزاب الموالاة وحتى فبركة أحزاب ومنظمات إن لزم الأمر، وتمكينها بمختلف الوسائل، ومن ذلك هندسة الدوائر الانتخابية لتناسبها، وتجنيد موظفي الدولة للتصويت لصالحها، ودعمها سياسياً ومادياً وإعلامياً حتى تستحوذ على أغلبية المقاعد البرلمانية، ثم القول إن هذه هي نتيجة العملية الديمقراطية، وأنهم أغلبية بإرادة الشعب.

كما تعمد الدولة إلى إيلاء مناصب وزارية وقيادية لقيادات وكوادر أحزاب الموالاة، وحتى محاباة مناطق نفوذ أحزاب الموالاة وقاعدتها الجماهيرية من خلال امتيازات في الخدمات والتوظيف وغيرها.

وهكذا يتجلى ذلك أكثر في ممارسة التمييز ضد الأغلبية وإعطاء الامتيازات للأقلية، وتسخير إمكانيات الدولة لتكريس هذا الواقع، وسدّ الطريق أمام أية إصلاحات أو تغييرات عميقة في النظام. والتجلي الثاني للفجور في الخصومة هو أن أحزاب الموالاة المفبركة تدخل في خصومة دائمة وشرسة مع أحزاب المعارضة، ليس بسبب قناعاتها، وإنما تنفيذاً للدور المرسوم لها من قبل السلطة، ولا تتورع عن استخدام كل المحرمات للإساءة إلى المعارضين، وعرقلة أي خلاف صحي ، بل لا تتورع عن المزايدة على النظام لقطع الطريق على أي توافق وطني.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/853817.html