صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4168 | الإثنين 03 فبراير 2014م الموافق 16 شعبان 1445هـ

ما بين الدين والسياسة!

الكاتب: محمد علي الهرفي - comments@alwasatnews.com

في عالمنا العربي الذي يدين الغالبية العظمى منه بالاسلام، يكثر الحديث بين نخبه الثقافية والسياسية عن العلاقة بين الدين والسياسة، وهل يمكن السماح بقيام أحزاب ذات مرجعيات دينية يكون لها تأثير في مجريات الأحداث في بلادهم! وقد قادت هذه الأحاديث وبمباركة القيادات السياسية، إلى منع قيام أحزاب دينية بدعوى أن قيامها سيجر البلاد إلى فتن طائفية تفرق المجتمع وتضعفه!

وانطلاقاً من تلك القناعة، فقد منعت معظم الدول العربية خطباء الجمعة من تناول السياسة في خطبهم، أو الدعاية لفريق ضد آخر خصوصاً في مواسم الانتخابات بكل أنواعها.

العالم الغربي كان له موقف آخر من الأحزاب الدينية، رغم أنه يؤمن بالعلمانية رسمياً، ففي أوروبا هناك ما يقارب مئة وسبعين حزباً دينياً، وبعض هذه الأحزاب وصل إلى سدة الحكم، مثل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، فالسيدة أنجيلا ميركل تنتمي إلى هذا الحزب، كما أن بعض هذه الأحزاب له نفوذ قوي في بلده. وأوروبا لا تحارب هذه الأحزاب بل ترحّب بها، وليس صحيحاً ما يشاع أن كل تلك الأحزاب علمانية ولا تمت إلى الدين بصلة، فبعضها متطرف جداً مثل حزب «غيرت فيلدر» الهولندي الذي قام على كراهية الإسلام والعرب. وفي «إسرائيل» حزب ديني له نفوذ قوي فيها وهو حزب «شاس» المتطرف ضد العرب والاسلام.

وفي الهند أحزاب دينية تلقى احتراماً لدى الدولة والمواطن رغم أن بعضها متطرف جداً مثل حزب «بهاراتيا جاناتا»، وهو حزب هندوسي متطرف ويعد الأكثر عداءً للمسلمين. وهو الذي تزعم هدم المسجد البابري العام 1992، وحكم هذا الحزب الهند مابين عامي 1998- 2004.

الذي أود قوله إن الإسلام لم يفرّق بين الدين والسياسة كما هو الحاصل عند الغربيين، وإنّما جعل السياسة جزءًا من الدين، ومع ذلك فقد حارب السياسيون وفريق آخر معهم فكرة الجمع بين الدين والسياسة، وبسبب أهداف سياسية تصب في صالحهم وحدهم ولا تمت إلى الدين بصلة! ولكن هؤلاء السياسيين خرجوا على ما كانوا يعدونه من ثوابتهم، وذلك كلما شعروا أنهم بحاجة إلى أولئك المتدينين الذين أبعدوهم طويلاً عن مراكز صنع القرار! ففي هذه الحالات يسرعون إلى إبرازهم في كل وسائل الإعلام لكي يقول هؤلاء ما يريده الحكّام، معتمدين على الدين في إقناع العامة بصحة ما يفعله رجال الدولة. وقد أثبت الواقع أنهم يجدون من يقف إلى جانبهم من بين أولئك، ولكن الواقع أثبت أيضاً أن الشعوب لا تصدّق ما يقوله أمثال هؤلاء ممن ينتمون إلى طبقة المتدينين!

ففي سورية انبرى المفتي إلى تبرير كل الجرائم التي يرتكبها الأسد، بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير حيث أكد مراراً أن الأسد وأباه متدينان من الطراز الأول! وهناك في سورية من فعل مثل المفتي وجعل الضحايا هم المجرمون لأنهم هم الذين دفعوا الرجل الطيب (الأسد) إلى قتلهم!

أما في مصر فقد انبرى عدد ممن ينتمون للتيار الموصوف بـ «الديني» إلى تبرير كل الجرائم التي ترتكب هناك. فالمفتي السابق يرى أن قتل المتظاهرين من الواجبات، وأن الجيش مأجور على ما يفعله! أما المفتي الحالي فهو يرى أن ما يرتكبه الجيش هو جزء من واجبه، كما يؤكد أن الدستور الحالي إسلامي كامل الإسلامية!

شيخ الأزهر شارك في الحملة السياسية للحكومة الحالية؛ ودعا للتصويت بنعم على الدستور! ولو أنه وسواه طالبوا المواطنين بالتصويت للدستور فقط لكان ذلك أهون، ولكن أمر الناس بالقول: نعم، فهذا هو المشاركة الفجة في السياسة التي كانوا منهيين عنها سابقاً، ولست أعرف كيف يقبلون هذا الاستخدام السيء لهم!

وزير الأوقاف في مصر سار على النهج نفسه؛ فالخطباء الذين يؤيّدون الدولة الحالية مسموحٌ لهم أن يمارسوا الدعاية للدولة في المساجد، أما المعارضون فمصيرهم العقاب! وقد وصل النفاق بالبعض إلى الإفتاء بأن زواج الإخوانية بغير الإخواني باطل ويجوز فسخه!

رجال الدين الأقباط في مصر -وهم عادة بعيدون عن السياسة- كانوا من أكثر الناس ممارسةً لها هذه الأيام، فهؤلاء باركوا الحكومة الجديدة وطالبوا بالتصويت على الدستور بـ «نعم»، وهم أيضاً مع ترشح عبدالفتاح السيسى للرئاسة في مصر.

في دول عربية أخرى جمعيات ذات طابع ديني تشارك في صنع سياسة بلدها وبحسب قوانين ذلك البلد، وهذه الجمعيات تحارب مرةً ويسكت عنها مرةً أخرى، ولكنها غير مرحّب بها في جميع الحالات نظراً لطابعها الديني أولاً، ولأنها لا تجامل الحكومات ثانياً.

أكرّر ما قلته بأنني لا أرى أي مانع من الناحية الشرعية أن يكون هناك مشاركة قوية للإسلام ومن يمثله في الحياة السياسية؛ فنحن مسلمون ومن حقّنا أن نلتزم بتعليمات ديننا في واقع حياتنا، وليس صحيحاً أن الإسلام دين تخلف ورجعية حسب ما يحاول أعداؤه وصفه به، كما أنه ليس صحيحاً أن الإسلام يحارب أصحاب الديانات الأخرى، بل هو على الضد من ذلك فقد أعطاهم حقوقهم كاملة ولهم في ديار المسلمين كل الاحترام. أما ما يفعله بعض المتطرفين فلا يصح ربطه بالإسلام، وقد أشرت سريعاً إلى ما يفعله بعض المتطرفين من المسيحيين ولم يتهم أحد الدين المسيحي بالارهاب؛ فالأفراد لا يمثلون الأديان الكبرى، وإنما هم يمثلون أفعالهم ولا شيء آخر.

يبقى أن القول بوجوب إبعاد الدين وأهله عن السياسة، ثم جرّ هؤلاء إلى السياسة عند الحاجة إليهم، هو نفاق رخيص ويشترك فيه هؤلاء الساسة كما يشترك فيه معهم الذين يبيعون ضمائرهم ودينهم بأبخس الأثمان.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/853823.html