صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4182 | الإثنين 17 فبراير 2014م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

السيد مهدي الخرسان... للنجف من يُنصفها

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

بعض المدن تظل محتفظةً بوفائها لتاريخها، عصيّةً على كل محاولات الإخضاع والتطويع السياسي. النجف الأشرف إحداها إن لم تكن أهمها. خلال زيارتي القصيرة للعراق شعرت أن النجف لا تثق بالسياسيين، وتتعامل مع الجو الجديد كـ «طقس غير مستقر». وهي ترى أن السياسة شأن دنيوي ووظيفتها تتعدى هذا الشأن بكثير.

تعتقد النجف أن من أولى واجباتها الإسهام الجاد في حفظ الإرث والتقاليد العلميّة للحوزة النجفية نقيةً ومصانة من عبث الساسة وأهوائهم، لذا تحرص على البقاء متنبهة لكل محاولات الاختراق والتسلل الذي ترتدي في الغالب عناوين دينية وبعض الأردية الحزبية.

هي مدينةٌ لها وفرة في التاريخ وضيق في الجغرافيا، مشهورة بمدارسها ومساجدها ومجالس العلم والأدب والشعر، الأمر الذي جعل واحداً من أبنائها وهو حسن عيسى الحكيم أن يضع «مفصله» في تاريخ النجف في 37 مجلداً، ومن المقدر أن يبلغ الخمسين!

مدينة تكثر فيها القباب والمآذن والعمائم والأموات والكتب الخالدة. مدينة «بحر العلوم» و«كشف الغطاء» و»جواهر الكلام»، وهي عناوين لكتب التصقت بأسر وبيوتات نجفية شيّدت صيتها على مجد علميّ أرخه «كتاب».

لعل هذا الوفاء لماضيها هو سر احتفاظها بوهجها العلمي والروحي، والسبب في ريادتها كمركز علميّ لازال يحتفظ بمكانته ضمن الحواضر العلميّة الشيعية في العالم، رغم مكابدات تاريخية مرّة تجرّعتها بفعل إزعاجات الحكم المركزي في بغداد منذ بداية الحكم الملكي في العصر الحديث والذي لم يكن يتعامل معها بودّ وإن اضطر إلى احترامها كمركز روحيّ.

جرّبت في إطار محاولة للفهم أن أقترب أكثر من روح النجف، وأن ألمس جانبها الأصفى والأشد تعبيراً عنها، فنصحني الأصدقاء بزيارة علاّمة النجف ومحقّقها الأبرز، السيد محمد مهدي الخرسان (86 عاماً). الرجل الذي فضّل أن يعيش مع كتبه وأبحاثه زاهداً عن ما قد تحمله له وعود «المرتبة» وحظوظها من جاه وسلطان لمن هم في قامته وتوهجه العلمي.

كان عليّ أن أعبر الأزقة الضيقة مجتازاً محلة الحويش حتى أصل إلى منزله المتواضع. كان اليوم جمعة حيث مجلسه الأسبوعي، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة. المجلس يكتظ بشيوخ وطلبة علم ديني ومهتمين وبضعة أطفال حرص آباؤهم على تعريضهم إلى هذا اللون من الإعداد والتنشئة الصالحة، وكان الحديث في شرح «نهج البلاغة».

الجلسة هي نفسها، والمكان نفسه، رجل طاعن في التواضع، بعمامة سوداء ولحية بيضاء، صورةٌ تعثر عليها بوفرة في أزقة النجف وحواريها، غير أن للسيد الخرسان حتماً نموذجه المتفرد عندما تصغي إليه أو تقرأ.

وُلد في النجف الأشرف (22 ديسمبر 1928)، ونشأ على معاناة من شظف العيش ألفه مجتمع الأُسرة والجيران، حيث الإيمان عند الجميع أقوى من المادة. يقول: «كانت المجالس العلمية وهي بحق خير مدارس، وكان أحدها مجلس أُسرتنا الذي رعاه المرحوم الوالد طيلة ثلاثة عشر عاماً في كل يوم عصراً، وفي كل يوم خميس صباحاً، فتعلّمت من آداب المجلس والحديث مع المشايخ». وذكر جانباً من ذلك في كتابه «ذكرياتي في حياتي» وهو للأسف غير منشور لأنه أوصى بنشره بعد وفاته «لما فيه من حقائق مرّة» كما قال.

وضع السيد الخرسان الكثير من المؤلفات، كما كتب مقدمات لعدة كتب من تآليف الآخرين جمعها في كتابه «مقدمات كتب تراثية» في مجلدين. وله بحوث في شتى فنون المعرفة من فقه وتفسير وحديث ورجال وتاريخ وأنساب وآداب. يقول: «بدأت علاقتي بالكتاب حين كتبت عن الصحابي الجليل ابن عباس حبر الأُمة، ولم أكن أملك كتاباً واحداً يسعفني في حاجتي سوى كتاب شرح نهج البلاغة للمعتزلي ومروج الذهب للمسعودي، وبعض أجزاء البحار في مكتبة السيّد الوالد، فكان من الطبيعي أن أسعى في طلب المصادر في المكتبات العامة، وليس يومئذ منها في النجف الأشرف سوى مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء في مدرسته، ومكتبة الحسينية الشوشترية».

التزم السيد الخرسان في حياته بتجنب العمل السياسي: «حاولت بقدر ما وسعني أنّي ما أضعت عمري فيما لا ينفعني حسب نظري، فلم أدخل في السياسة مطلقاً، ولا انتميت إلى أيّ حزب مهما كان الشعار براقاً والبرقع شفّافاً ولا إلى أيّ جمعية أو مؤسسة. ومن نعم الله تعالى علىَّ أن انصرفت إلى البحث والتحقيق والتأليف، وفي ذلك تعويض خدماتي للناس عمّا يقوم به الغير في صراط تفعيل العلم في جهات أخرى، ربّما تكون المسئولية الشرعية فيها أكبر وأخطر».

وقد تعاون في نشر كتب التراث مع الحاج عبدالحسن الراضي صاحب مكتبة التربية ببغداد، والشيخ محمّد كاظم الكتبي صاحب المكتبة الحيدرية الّذي كان من أنشط الناشرين للتراث الإسلامي في العراق، وكم أنقذ مخطوطاً من براثن العثّ فطبعه، وكم من مطبوع قلّت نسخته وعظمت فائدته بادر إلى طبعه ويسّره للقراء بثمن بخس.

وممّا ساعده على الدأب في التحصيل العلمي، الأجواء العلمية في الحوزة النجفية، وكان يتردد على الشيخ محمد السماوي (ت 1951) لمراجعة بعض النوادر في مكتبته العامرة بنفائس المخطوطات، كما كان شغوفاً مع قلة ذات اليد، بارتياد سوق الورّاقين بالقرب من الصحن الشريف. وكانت تُباع نوادر مطبوعات ومخطوطات لا ينالها إلاّ من كان متمكناً من دفع الثمن، ومع ذلك كان السيد حريصاً على حضور هذا السوق حتى عُرف بين الهواة والغواة بمعرفة الكتب وحسن الانتقاء.

وساهم الخرسان في تحقيق ثمانية أجزاء من موسوعة «بحار الأنوار» الكبرى للشيخ المجلسي، كما كتب دراسات قيّمة ضمتها موسوعة الشيخ ابن إدريس الحلي (ت 598 هـ) التي صدرت في عشرة مجلدات. أمّا مؤلفاته المطبوعة فتبلغ 7 عناوين، يصل بعض المطبوع منها إلى 10 مجلدات، كموسوعته الخالدة «موسوعة عبدالله بن عباس» التي سيطبع قسمها الثاني في 10 مجلدات أخرى، أما مؤلفاته غير المطبوعة فتزيد عن العشرين عنواناً.

والسيد الخرسان، لمن يعرفه، حاضر البديهة، خفيف الظل، سريع الجواب، ومما يعكس ذلك تسميته لديوانه الشعري «المنخول والمخلخل من الشعر المهلهل». وهو رجلٌ يشبه النجف من نواحٍ كثيرة، ومن أبرزها زهده وألقه العلمي، حذره وبعده عن الأضواء. وإذا ما عُدّد من ينصف النجف الأشرف علماً وتقى وبعداً عن الدنيا، فإن السيد الخرسان يكون في مقدمة هذه القائمة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/858245.html