صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4189 | الإثنين 24 فبراير 2014م الموافق 18 جمادى الأولى 1445هـ

انتهازية سياسية

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

تقدّم تصريحات النائب عادل المعاودة درساً بليغاً لما يمكن أن تبلغه الانتهازية السياسية لدى بعض التيارات الدينية.

تخطيء هذه التيارات الدينية -السنية والشيعية أيضاً- كثيراً في تقديرها لقوتها ولقبولها الاجتماعي، فالناس تصوّت لها اعتماداً على سمعتها وتاريخها في العمل الدعوي والخيري، ولكنها ليست مستعدةً للتوقيع لها على بياض، بدليل ما يحصل في مصر وتونس وليبيا، وما حصل أيضاً في العراق.

وإذا كان تيار الاخوان المسلمين واجه انتكاسةً كبرى بعد عامٍ واحدٍ من الحكم في اثنين أو ثلاثةٍ من بلدان الربيع العربي، فإن التيار السلفي يواجه انتكاسةً أكبر ومأزقاً أخطر، بعدما تورّط جزءٌ كبير منه في حروبٍ تدميريةٍ تدفع ثمنها شعوب المنطقة، بينما أصبح جزءٌ آخر نموذجاً للسياسة الانتهازية، كما في مصر، حين تخلّى عن حليفه (الاخوان)، وأسلمهم لحكم العسكر، بطريقةٍ ميكافيليةٍ غريبة.

المعاودة في تصريحاته الأخيرة، يمثل نموذجاً واضحاً لهذه الانتهازية السياسية، وقد تعرّض في الأيام الأخيرة إلى نقدٍ شديد لمواقفه الأخيرة، بعدما أعلن أن «داعش» مارقةٌ من الدين، وهو الذي قاد العام الماضي حملةً شعبيةً لنصرة «المجاهدين» في سورية لتجهيز «الغزاة»، وصوّر مع رفاقه هناك فيلم فيديو، تم بثه بفخرٍ ظاهرٍ على موقع «اليوتيوب».

لاشك أن تغيير الموقف من الضد إلى الضد، يأتي على ضوء تغيّر المواقف العربية والدولية من الأزمة السورية، بعدما ضاعت قضية شعب عربي وعسكرتها، فتحوّلت إلى نزاع مسلح بين أطراف متقاتلة، ضمن «لعبة أمم» أكبر. والمحللون السياسيون يؤكّدون دائماًَ أن هذه التيارات نفسها سبق استخدامها من قبل الغرب، في حربه ضد الاتحاد السوفياتي الذي احتل أفغانستان، حيث قضى آلافٌ من الشباب العرب، كانوا يعملون دون وعي لحساب قوةٍ عظمى ضد أخرى.

في تلك الحرب «الكونية»، تم إحراق مليارات الدولارات، من موازنات بعض الدول العربية، وبعد انتهائها بدأت حرب «المجاهدين» ضد بعضهم، وقُصفت العاصمة كابول بالصواريخ. أما «المجاهدون العرب» فتفرّقوا في الأرض، بعضهم استضافتهم السجون العربية، وبعضهم لجأ إلى السودان واليمن، وبعضهم انخرط في حروب وغزوات جديدة... وقد أصبح كل ذلك جزءًا من التاريخ.

في الألفية الجديدة، شهدت الشعوب العربية فصولاً جديدةً من «لعبة الأمم»، في العراق بعد الاحتلال الأميركي، وفي عددٍ من الدول العربية بعد الربيع العربي، حيث انتشرت عمليات الإرهاب والتفجير والقتل الجماعي، بحيث أصبح ما يسيل من دماء المسلمين على يد بعضهم بعضاً، أضعاف ما يسيل من دمائهم على أيدي الغزاة والمحتلين، وهي من الحقائق الموجعة للقلب.

اليوم، يعود النائب السلفي عادل المعاودة ليحكم على «داعش» بأنها «مارقة»، ويبرّر انقلاب موقفه بكلامٍ ضعيف، يمكن أن يُقنِع به فئةً حزبيةً صغيرةً ممن يسايرونه في جمعيته، إلا أنه سيثير نقمة الشارع الذي يدّعي تمثيله، ويطمح للوصول إلى البرلمان للمرة الرابعة على أكتافه، فهو يؤمن في قرارة نفسه بأن هذا الشارع يمكن التلاعب به والضحك عليه، بسبب محدودية وعيه السياسي. وقد قرأنا ردوداً وتساؤلات يثيرها هذا الشارع اليوم، من قبيل: لماذا هذه الحماسة الدينية التي وجدناها لديكم للقتال في سورية ولم نجدها في فلسطين التي تقع في الشام أيضاً، ويخضع شعبها «السنّي» للاحتلال منذ 66 عاماً؟

قد يجد المعاودة ردّاً يجادل به منتقديه الكثر اليوم، ولكن من يجادل اللهَ عنه يوم القيامة؟


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/860579.html