صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4192 | الخميس 27 فبراير 2014م الموافق 05 محرم 1446هـ

الحديقة اليتيمة في باربار

الكاتب: شبر إبراهيم الوداعي - .

تشكل «الحديقة اليتيمة في بلدتنا باربار»، الموقع الذي درجنا على زيارته مع ابنتي الصغرى «علياء» لإعطائها فرصة للعب والاستمتاع مع أقرانها الصغار مرتادي الحديقة بهدف كسر حاجز الملل بعد يوم مشحون بالأنشطة المدرسية، وتمكينها من إعادة نشاطها.

وبعد انقطاع دام قرابة الشهر توجهنا إلى الحديقة، وجرياً على عادتها توجهت ابنتي إلى لعبتها المفضلة «الأرجوحة»، بيد أنها سرعان ما عادت لتخبرني بالخلل الموجود فيها، والذي يمكن أن يؤدي إلى انقطاعها وسقوطها على الأرض، ودفع ذلك الموقف مرتادي الحديقة إلى تبيان جوانب الخلل في الألعاب والإهمال الذي تعاني منه الحديقة، والإشارة إلى النواقص والثغرات التي تشكل مصدر إزعاج وخطر على سلامة الأطفال البدنية. وللدلالة على ذلك جرى عرض مجموعة من الصور تبين الإصابات الخطيرة التي تعرّض إليها بعض الأطفال، وأبدوا انتقادهم لوسائل الإعلام وكتاب الرأي لعدم تسليطهم الضوء على هذه المشكلة.

عندما تزور الحديقة الواقعة على شارع النخيل، تشهد الأطفال زرافات زرافات يتوجهون إليها، منتشرين كالنحل في زواياها ومتوزعين في مجموعات، والكل غارق في اللعب بطريقته، وأنت غارق في مشاهدة هذا المنظر الانساني وتتأمل في ما يصنعه الأطفال وما يعبرون عنه ببراءتهم من ممارسات قيمة من الجوانب الإبداعية والجمالية، تشهد المجموعات التي اتخذت من الرمل وسيلتها في اللهو واللعب وبناء التشكيلات الفنية التي تعبر عن تخيلاتها وإبداعاتها، كما تشهد المجموعات الأخرى وهي غارقة في اللعب بالألعاب القليلة المتهالكة وغير الصالحة للاستخدام، والتي لا تغطي العدد الكثيف من الاطفال وتشكّل خطراً على سلامتهم.

ليس الأطفال وحدهم من يشدهم ذلك الموقع الاجتماعي للمتعة والراحة من تعب النهار، بل للكبار أيضاً موقعهم في برنامجهم اليومي، وعندما تزور الحديقة يسترعي انتباهك تجمعات الأمهات والآباء وهم يتابعون باهتمام أبناءهم والحرص على حمايتهم من المخاطر التي يمكن أن تسببه الألعاب غير الآمنة، وتلك ظاهرة حضارية تتميز بقيمتها الاجتماعية، ينبغي توفير المتطلبات اللازمة لتقويم وجودها وتفعيل أثرها التربوي والاجتماعي في خطط بلادنا التنموية ومنظومتنا المجتمعية.

الحدائق ظاهرة حضارية وعنصر رئيس ضمن الخطط التنموية للدول، ويشكل تشييدها مقوماً رئيساً في نشر الرقعة الخضراء وتعزيز قيمة المظهر الجمالي والسياحي للبلدان، ويأتي ذلك في إطار التوجه الممنهج لتوفير ظروف مناسبة لحياة المجتمعات المحلية، وبما يتسق مع معايير النهج الدولي البيئي في إيجاد بيئة مناسبة لمعيشة الانسان الذي جري التأكيد على ثوابته في المؤتمر الدولي البيئي الأول (1972)، حيث يشير المبدأ (8) من إعلان استكهولم إلى أن «للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهمية أساسية لضمان بيئة مؤاتية لعيش الانسان وعمله ولإيجاد ظروف على الأرض ضرورية لتحسين نوعية العيش».

الدول أدركت القيمة الاجتماعية والحضارية للحدائق وعملت على وضع الخطط الموجهة لتشييدها في مواقع تواجد المجتمعات المحلية، وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة إحدى الدول الخليجية التي وضعت الحدائق العامة والمتنزهات ضمن أولويات خططها التنموية. ووفق رؤيتها الاستراتيجية جرى تشييد شبكة نوعية من الحدائق العامة والمتنزهات، وزراعتها بالأشجار من البيئة المحلية مثل السدر والغاف والسمر والنخيل، وتزويدها بالمتطلبات الخدمية وتوفير البيئة المناسبة لمرتادي الحدائق لتمكينهم من قضاء أوقات ممتعة ومريحة.

وتضم الحدائق مواقع خاصة للراحة تتوفر فيها منصات للشواء ومواقع للجلوس والاسترخاء، إلى جانب المرافق العامة ودورات المياه التي تحظى بالمتابعة الدائمة من قبل عمال النظافة، وكذلك الألعاب الحديثة للأطفال، كما تزود الحدائق بمرشدين تثقيفيين يعملون على تنظيم البرامج المتنوعة الترفيهية والتوعوية.

مملكة البحرين، أخذاً في الاعتبار الأهمية الاجتماعية والتنموية للحدائق، نفذت العديد من البرامج لتحفيز المجتمع المحلي على دعم جهود تشييد الحدائق العامة والتي منها معرض البحرين الدولي للحدائق الذي جرى افتتاح دورته العاشرة في 26 فبراير/ شباط 2014، والمجتمع المحلي في باربار أدرك أهمية الحدائق في الحياة المعيشية للمجتمع، وبادرت اللجنة الاجتماعية في نادي باربار الثقافي والرياضي إلى التحرك والتواصل مع المسئولين في بلدية المنطقة الشمالية، وتصدر ذلك الجهد رئيس اللجنة الاجتماعية السابق محمد مهدي عياد. وعلى الرغم مما أحاط مشروع الفكرة من اعتراضات غير مبررة من قبل البعض إلا أن المشروع أكّد فوائده الاجتماعية وصارت الحديقة ملتقى مهماً للفعاليات الاجتماعية ومتنفساً لأطفال المنطقة ومجتمعها المحلي.

تشييد الحديقة منجز مهم تشكر عليه الجهات المختصة بالتخطيط الحضري في البلاد، بيد أن المشروع بحاجة إلى اهتمام الجهة المختصة بالحدائق والمنتزهات، والعمل على إصلاح خلل الكهرباء في أعمدة الإنارة لتجنيب الأطفال مخاطره، وتوفير الرمال لتغطية الأحجار والأجسام الصلبة في أرضية الحديقة التي تتسبب في إحداث الجروح والاصابات للأطفال.

ويطمح مرتادو الحديقة أن يجرى استكمال المشروع والارتقاء به إلى مستوى الحدائق المتطورة، والعمل على استبدال وزيادة عدد الألعاب وزراعة الحديقة بالحشائش والنخيل والأشجار وتشييد المرافق العامة وبناء دورة مياه وموقع للصلاة وتوفير مياه للشرب، وتنظيم المناشط الاجتماعية والترفيهية في المناسبات الوطنية والشعبية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في باربار.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/861686.html