صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4196 | الإثنين 03 مارس 2014م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

الأورغواي حيث الرئيس مواطن عادي

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

ونحن في بداية الجلسة الافتتاحية لمنتدى «المحاسبة كمكون للبرنامج الأممي ما بعد 2015 للتنمية» لمنظمة الراصد الاجتماعي الدولية في مونتيفيديو عاصمة الأورغواي، في الفترة 11 - 13 فبراير/ شباط 2014، وإذا بالأمين العام للمنظمة روبرتو بيسو يفاجؤنا بأن الرئيس موهيكا سيصل بعد دقائق. فجأةً دخل من باب جانبي رجل ستيني، بلباس عادي، بدون ربطة عنق وبمرافقة شخصين فقط: حارس وسكرتيرة.

وبحسب التعريف الرسمي، فإن الأورغواي تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من أميركا الجنوبية. يقطنها نحو 3.5 مليون شخص منهم 1.4 مليونًا يعيشون في العاصمة مونتيفيديو، وهي دولة ديمقراطية دستورية، حيث يؤدي الرئيس مهام رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وهي واحدة من أكثر بلدان أمريكا الجنوبية نموًا من الناحية الاقتصادية، حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد مرتفع ونوعية الحياة في المرتبة 48 عالميًا.

وبعد تعريف بسيط من قبل روبرتو بيسو، أدركنا أننا أمام إنسان مناضل عركته الحياة، فقد كان أستاذاً جامعياً، يسارياً ومناضلاً ميدانياً. وقد اعتقل أثناء الحكم العسكري البغيض في الفترة ما بين 1971 - 1982، وطرد من عمله في الجامعة، ثم أعيد بعد العفو العام وترسخ النظام الديمقراطي، ليواصل مهمته النضالية في صفوف اليسار حتى وصوله لزعامة الحزب الاشتراكي، وفي الوقت ذاته التعليم الجامعي، حتى تكللت جهود ائتلاف اليسار بالوصول إلى الحكم في انتخابات نيابية ورئاسية في 2005، لتدخل الأورغواي عهداً جديداً من الازدهار والاستقرار والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وهو البلد الصغير الواقع بين أكبر بلدين لاتينيين هما البرازيل والأرجنتين، وسكانه في حدود 3 ملايين.

الرئيس موهيكا وقف معتذراً لأنه تأخر، وقد عرفنا أنه أتى وهو يقود سيارته الفولكس واجن بنفسه، وبسبب إصابته بحادث مرور، فهو يتحرّك ببطء.

عرض الرئيس موهيكا تجربة الأورغواي في الانتقال الديمقراطي والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية دون انتقام، والديمقراطية هنا لا تقتصر على الديمقراطية السياسية، بل هو نظام سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي متكامل، يستهدف الحياة الحرة والكريمة للمواطنين والمقيمين، كما عرض إلى كون الاورغواي تنتمي للقارة الأميركية اللاتينية وتنتمي إلى العالم في عهد العولمة، ولذا تسعى إلى التكامل الاقتصادي مع بلدان القارة وخصوصاً جارتيها البرازيل والأرجنتين، وهي منفتحة على العالم، وهذا ما تشاهده في شوارع العاصمة مونتيفيديو من تواجد كبريات الشركات العالمية من مختلف أنحاء العالم، وتدفق الاستثمارات، ما يخلق فرص عمل للمواطنين حيث انخفضت نسبة البطالة من 16 في المئة قبل 2005 إلى 6 في المئة في 2013، وارتفع الدخل القومي ومعدل دخل الفرد، ولم تعد الأورغواي مدينةً، حيث أن كل الشركات تدفع ما يترتب عليها من ضرائب على أرباحها دون مواربة.

عرض الرئيس اعتوار النظام العالمي، والعولمة المتوحشة، وضرورة إدخال تعديلات هيكلية في العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية والتجارية، وشرح الدور الذي تقوم به الأورغواي رغم صغرها في أميركا اللاتينية وفي العالم، من خلال الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها، والتجمعات الدولية الأخرى. وشدّد على دعم الأورغواي للمناضلين من أجل الحرية وحقوق الإنسان في كل مكان.

في نهاية اللقاء استأذن الرئيس موهيكا بالمغادرة، وترك وراءه ثلاثة وزراء وهم (وزير العمل ووزير التنمية الاجتماعية ووزير سلامة الجمهور وليس وزارة الأمن أو الداخلية)، ليفصلوا في عرض تجربة الأورغواي من مختلف جوانبها. وللعلم فإن الوزراء الثلاثة ينتمون لأحزاب مختلفة ضمن ائتلاف اليسار الاجتماعي الذي يحكم منذ 2005.

قدّم الوزراء تجربتهم دون ادعاء أو مبالغة، وعرضوا المشاكل والصعوبات التي يواجهونها والضغوط التي تتعرض لها بلادهم وهي تسير في طريق التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي تستهدف أن يحيا الأورغويون حياةً تستحق أن تُحيا، بحريةٍ ودون خوف وضمان لحياة لائقة، وتضامن اجتماعي، ومكافأة كل منتج على إنتاجه بعدل.

ومن أهم الأهداف التي وصفوها أن يغطي الضمان الاجتماعي والحد الأدنى من الدخل جميع العاملين في القطاعين الخاص والعام، وأن يتأمن السكن اللائق لجميع المواطنين. وبالفعل فأثناء تجوالنا في الأورغواي لم نشاهد مدن الصفيح أو الأحياء البائسة، ووجدنا الناس فرحين مقبلين على الحياة وودودين.

أقول: الآن فهمت لماذا تحظى الأورغواي رغم كونها بلداً صغيراً نائياً في أقصى القارة اللاتينية، بالاحترام والتأثير في المجتمع الدولي، ولماذا تفوز بكأس العالم لعدة مرات.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/862849.html