صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4217 | الإثنين 24 مارس 2014م الموافق 14 شعبان 1445هـ

أثير الكراهية... شاشات ومنابر

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

عرضت قناة «بي بي سي» العربية قبل أسبوع (وتحديداً يوم الاثنين الماضي 17 مارس/ آذار 2014) فيلماً وثائقياً بعنوان «أثير الكراهية»، من إنتاج القناة، تناول قصة التمويل التي تحصل عليها القنوات الدينية التي تتخذ من التحريض المذهبي في العالم العربي ركيزةً في عملها وبرامجها الاعلامية.

«أثير الكراهية» الذي قدّمه الإعلامي نور الدين زورقي، اختار من بين عشرات القنوات التليفزيونية ستًا هي الأكثر تطرفاً. السنية منها هي قناة «صفا» التي تبث من مصر، وشبكة «وصال» بلغاتها الست التي تبث من السعودية، وقناة «الأنوار 2» الشيعية التي تبث من العراق، أما الثلاث الأخرى فهي قناة «وصال فارسي» السنية من لندن، وقناة «فدك» الشيعية من لندن، و«أهل البيت» الشيعية من كاليفورنيا. وهذه القنوات التي اتخذها الفيلم نموذجاً للإعلام الديني الذي يساهم بوضوح في سكب المزيد من الزيت على نار المجتمعات العربية التي مزّقها التناحر المذهبي والانقسامات السياسية.

توجد أكثر من 120 قناةً فضائيةً دينيةً تبثّ في العالم العربي، عشرون قناة منها متورطة بشكل سافر بالخطاب الطائفي من بين 1070 فضائية هو العدد الكلي للفضائيات العربية، دينيةً أو غير دينية.

حاول الفيلم أن يجيب على السؤال التالي: من يرعى أبواق الكراهية هذه؟ فهي بلا شك تحتاج إلى تجهيزات تكلّف أموالاً طائلة، وتكاليف فضائية من هذا النوع تبلغ 450 ألف دولار سنوياً على الأقل. ويكشف الفيلم أن تمويل معظم هذه القنوات، سنية وشيعية، يأتي من إحدى الدول الخليجية التي تعيش في بحر من الرفاه، وتتمتع بحريات سياسية وإعلامية واسعة نسبياً بالنظر إلى مثيلاتها من الدول الخليجية.

نحن في البحرين يعنينا هذا الفيلم الوثائقي من أكثر من جانب؛ فمن جهة فإن البحرينيين يلفهم هذه «السيل العرم» من الأثير الأسود من كل جانب، يتعرضون ويتأثرون به ويُؤثّرون، ومن جهة أخرى فإن واحدة من القنوات التي أشار إليها الفيلم ورد اسمها في تقرير اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق (بسيوني) وذلك عند الحديث عن «الدور المحرّض لوسائل الاعلام». تقرير «لجنة تقصي الحقائق الذي قُدّم في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، أشار إلى أن «المواد التي عرضت على التلفزيون الوطني أو التي أذيعت عبر أثير الإذاعة الوطنية أو التي نشرتها وسائل الإعلام الوطنية المطبوعة، تضمّن كثيرٌ من هذه المواد لغة مهينة وتغطية تحريضية للاحداث»؛ وأن «تلفزيوني (البحرين) و(وصال) قد أساءا استخدام هذين المنبرين الإعلاميين وشاركا في سلوك ربما يكون قد انطوى على التشهير» و«تلويث سمعة المحتجين».

التقرير أكد أيضاً أن وسائل الاعلام البحرينية كانت منحازةً إلى حكومة البحرين، وأن «استمرار التقاعس في إعطاء جماعات المعارضة مجالاً كافياً في وسائل الاعلام الوطنية يُنذر بمزيدٍ من مخاطر الانقسام السياسي والعرقي». ولا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بالانقسام والاختلاف السياسي الحاصل بين الفرقاء، بل باللغة الدينية المفعمة بالكراهية التي بدأت تهيمن على الفضاء العام وتستبد بالخطاب السياسي في أسوأ صورة ظهر بها العمل السياسي والوطني منذ ولادة الدولة الحديثة، لغةٌ دينية لازالت تصدر لا عن شاشات التلفزة، بل، وهذا هو الأبشع، من منابر الجمعة وساحات الجوامع التي يحتشد فيها المصلون بعد فراغهم من الفريضة ليتفرّغوا بعدها إلى تحقير الآخر وإهانته.

وإذا كنا نفهم أو نعطي العذر للقنوات الدينية التي لا تكشف عن مصادر تمويلها خوفاً من الملاحقة القانونية بسبب ما تبثه من مواد موغلة في الكراهية؛ فما عذر القنوات الرسمية التي استمرأت تقديم هذا السم الزعاف لمشاهديها؟ وماذا بشأن خطب الجمعة التي لازالت تتحدث عن «المجوس الروافض» وتهاجم مكوناً وطنياً إسلامياً أصيلاً في الوطن، وتهزأ بعقائده كطقس دين «أسبوعي» يبتغي منه سعادة النائب «رضوان الله» طمعاً في عبور أبواب الجنة؟

إننا نستغرب صمت وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف على هذا التجاوز القانوني السافر، والكفيل بزعزعة استقرار البلاد وضرب وحدته الوطنية. وإذا كنتم حريصين على الالتزام بالقانون فدونكم هذه الدعوات الخبيثة التي يجاهر في إطلاقها من لهم مصلحة في الاقتتال المذهبي. حاصروها وحاسبوا المسئولين عنها إن كنتم جادين في احترام القانون وحفظ هيبته والحفاظ على الوحدة الوطنية ومستقبل البلاد.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/869556.html