صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4217 | الإثنين 24 مارس 2014م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

عبدالرحمن المعاودة... بين الغربتين على سرير لندن

الكاتب: محمد حميد السلمان - comments@alwasatnews.com

في الخمسينيات من القرن العشرين، اندمج شعوراً وقلماً في الحركة الوطنية، وتحمّس لها كثيراً فكان صوتها الشعري الهادر، جنباً إلي جنب مع خطيبها المنبري الثائر عبدالعزيز الشملان. وكان شاهداً ومشاركاً، بحسه الثقافي الوطني، مع صديقة الأديب والصحافي وتاجر اللؤلؤ، عبدالله الزايد، فى تأسيس جريدة «البحرين»، وفي وضع لبنة مطبعتها كذلك، ثم تولى إدارتها بعد أن اشتراها من ورثة المرحوم الزايد.

كما تميّز في تلك المرحلة الحيوية من حياته، بمشاركته في جميع المناسبات الوطنية، يخط بصوته النابض بحب الوطن ونقد الاستعمار والتخلف، أروع القصيد. ولأنه من زمن الرجال الشرفاء حقاً، فلم يكن في صدره سوى حب جميع أهل الوطن، وكل ما يمثل الرمز والمثل والمعتقد لهؤلاء الناس. ولذا صدح في إحدى المناسبات الدينية في المنامة بأبياته التي بقيت خالدة، والمفعمة بالتلاحم والوحدة بين جميع أطياف الشعب:

ضربت للحق فينا أروع المثلِ

ولم تبالِ بما لاقيت يا ابن علي

عليك منا سلام الله ما هتفت

ورقاء أو تمرد الحادي على الإبل

قد قمت في نصرة الإسلام متخذاً

من هدي جدك طه أقوم السبلِ

يا ابن فاطمة الزهراء حسبك من

مجدٍ بأنك من أبطالنا الأولِ

نعم، مرةً أخرى، إنه الأديب الراحل عبدالرحمن بن قاسم المعاودة، الذي تبدلت الدنيا أمامه إلى النقيض تماماً بمجرد أن انضم للحراك الوطني، وكذا يحدث للشرفاء فقط حين يعدلون مؤشر بوصلة مبادئهم الإنسانية، فغدا مطارداً، مغضوباً عليه، غير معنيّ بشاعريته أحد كما كان زمان المديح لهم. حتى أن نصوص مسرحياته فقدها في تلك الفترة الوطنية، كما يقول هو «في ظروف خارجة عن إرادتي»، ولا نعلم كيف تم ذلك حتى اليوم!

ولأن حراك هذا الرجل الوطني هو الشعر والكلمة المحقة، فقد دفع ثمنها في غربته الأولى بسبب هذه القصيدة:

بني أوال أراكم لا تعون ألا

تسعون بالصدق في قولٍ وفي عملِ

عاش الأجانبُ في هذي البلادِ ولم

يروا أمامهمو في القومِ من رجُلِ

فما استطال به الأمر مع الحراك الوطني في الخمسينيات معبراً عنه بشاعرية فذة، حتى نُفي، كغيره من رموز حركة الخمسينيات الوطنية، أو لربما تواضعاً نقول، اختار منفاه مكرهاً بعيداً عن الوطن، بعد ضرب الحركة الوطنية على يد سلطات الحماية البريطانية في تلك الفترة ومن يؤيدها. ولأن الخليج بالنسبة للمعاودة أرض واحدة، وشعب واحد، وكي لا يشعر ببعد الغربة كثيراً، فقد اختار قطر العام 1956 كمنفي قريب لغربته الأولى عن وطنه البحرين. إلا أن قريحته، رغم سواد وضبابية تلك المرحلة من حياته، لم تتوقف أو تضمحل وهو في البُعد، وإن لم تكن بفوران ونوعية قصائد حياته في البحرين. وليس الغوص في حيثيات ما كتب، هو مرامنا، ولا في توجهات المعاودة من خلال شعر المناسبات الذي كتبه، أو لمن كتب معظمه، ولمن كان يُهدي قصائد المدح، ولماذا، فظروف تلك الأيام ليست هي اليوم، وإلا لعتبنا على الشاعر والأديب جعفر الخطي كذلك مدحه لمن رافقهم من أهل زمانه لعدة أسباب، تبررها وجهة نظر الشاعر نفسه، قد لا نؤيدها نحن بمنطق هذا العصر. وكما حطمت المنافي، بعد زجّ الزعماء بها قسراً، ما حققته حركة الخمسينات من إنجازات وطنية باهرة على أرض الواقع؛ كذلك حطمت الغربة عن الوطن وغربة النفس في المنفى المجاور، نفسية شاعرنا الوطني فأنشد في أواخر حياته من وراء المياه الزرقاء، وقد أنهك المرض والألم تلك الروح والإرادة المعطاءة، فيقول:

هو الماء لكن في لهاتي صابُ

فهل لي للبحرين بعدُ إيابُ؟

سلام عليها ما استطالت بنا النوى

وما غرنا من ذا الزمان سرابُ

فيا موطناً لو أستطيع فديته

بروحي ولو عندي عليه عتابُ

طريح فراشٍ أثقل الهمُّ قلبَه

فيا ليت حولي من ثراك ترابُ

بني البلد الميمون يا خير معشر

على البال أنتم لو يطول غياب

سأذكركم ما غرّد الطير أو هفا

إلي وكرِهِ أو طار عنه عقاب

وغرّد على رأسه طير الرحيل، وكما احتضنته الغربة في عز سني حراكه الوطني، كذلك احتضنته غربة أخرى في أواخر أيام معاناته المرضية واعتلال صحته، حيث توفي بعد غربتين على سرير غريباً عن وطنه، بعيداً عن أحبته وفي لندن، عاصمة تلك الدولة التي سبب زعماؤها ذات يومٍ نفيه إلى موقع غربته الأولى. رحل شاعر الشباب و»شاعر الهيئة» في 18 مايو/ آيار 1996.

إنه رجلٌ من ذاك الزمان... الذي رحل، وُلد في مدينة المحرق، وتوفي في غربته الثانية بلندن، ودفن في أرض غربته الأولى، الدوحة. وبقي لسان حاله يردّد قُبيل الرحيل، وكأنه يعيش زماننا البحريني:

يشقى بنوها والنعيم لغيرهم

كأنها بالحال عينُ عذاري


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/869559.html