صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4217 | الإثنين 24 مارس 2014م الموافق 06 شوال 1445هـ

فلنتحاور مع بعضنا أولاً!

الكاتب: محمد علي الهرفي - comments@alwasatnews.com

نشطت دعوات الحوار في عالمنا العربي كثيراً خلال السنوات العشر الماضية، ولكن هذه الدعوات في أغلبها كانت موجهة للحوار مع الآخر - أي غير المواطن - وأيضاً غير العربي الذي نتقاسم معه كثيراً من آمالنا وآلامنا، هذا فضلاً عن المسلم الذي يجمعنا به دين من أهم أركانه الدعوة إلى الوحدة بين المسلمين جميعاً. ولهذا لم تتمخض معظم تلك الدعوات عن نجاح حقيقي وإنما بقيت حديثاً يردده البعض مع تحسر على جهد لم يثمر كما كان يشتهي أصحابه.

ولعلّي هنا أشير إلى نوع من الحوار الداخلي الذي رأته المملكة العربية السعودية من خلال مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، والذي ناقش موضوعات مهمة ولكن العيب فيه أن كثيراً من توصياته لازالت حبيسة الأدراج.

مكونات خليجنا العربي تشبه إلى حد كبير مكونات عالمنا العربي والاسلامي فيما يتعلق بتعدد الديانات والمذاهب والأفكار، بل إننا قد نجد ذلك كله في بلد صغير مثل البحرين. فمثلاً يضم الخليج الديانات الثلاث: الاسلامية والمسيحية واليهودية، صحيح أن المسلمين هم الغالبية العظمى لكن أصحاب الديانتين الأخريين موجودون أيضاً، وفي الخليج سنة وشيعة وإسماعيلية، وربما قليل من الزيدية. والسنة يتوزعون إلى عدة مدارس فكرية بينها شيء من الاختلاف، ولكنه يزداد أحياناً إلى حد التكفير! فمثلاً هناك أتباع المذاهب الأربعة، وهناك الصوفية والسلف والاخوان والجامية، وكذلك أتباع القاعدة ومن تفرذع عنهم مؤخراً. كما وهناك العلمانيون والليبراليون والناصريون والبعثيون والشيوعيون، وربما يوجد أيضاً جماعات من أتباع الشهوات الذين برزوا مؤخراً.

وكما أن السنة أقسام فكذلك الشيعة، فهناك الأصوليون والاخباريون، ثم هناك الشيرازيون وأيضاً أتباع الولي الفقيه، وهناك من لا يؤمن بهذه الولاية، أما أتباع المراجع فهم كثر أيضاً. وكما أن في السنة علمانيين وليبراليين وملاحدة، ففي الشيعة مثلهم، أما أتباع الديانات الأخرى فلا أريد التوسع في الحديث عنهم لأنهم أقلية، ولهذا لا تظهر خلافاتهم على السطح ولا تؤثر على مجريات الأحداث كما أرى.

هذا الواقع الذي يظهر مزيجاً غريباً من التنوع الفكري والمذهبي والديني يتطلب نوعاً من الحوار بين كل تلك الأطياف، لاسيما وأن كل طرف يرى أنه الأصح والأفضل، وبعض تلك الأطراف يرى أن من واجب الآخرين أن يتبعوه فيما يراه حقاً، ويصل الحال أحياناً، إلى تكفير بعض الطوائف من قبل أفراد من الطوائف الأخرى! وهذا الواقع لابد أن يقود إلى سؤال مثل: كيف يمكن التعامل مع هذا الخليط المتنوع في رؤاه الفكرية والشرعية دون المساس بأمن الدول ومع تحقيق استقرار المجتمع وأمنه وتلاحمه؟

التاريخ قديمه وحديثه أثبت أن الحلول الأمنية لا تجدي وحدها. قد تنفع مؤقتاً في بعض الأحيان، ولكنها قد تكون كارثية على الوطن وأبنائه في كثير من الأحيان الأخرى! وذلك أن هذا النوع من الحلول قد يشعل الخلاف بين مكونات المجتمع الواحد، وهذا يؤدي إلى ضعف المجتمع وتفككه، كما قد يقود في أحيان أخرى إلى إشعال الخلاف بين الدولة وبين بعض فصائل المجتمع، وهذا أيضاً يقود إلى ضعف الدولة وقد يؤدي إلى تمزقها.

وفي كل الحالات فإن معظم الحلول الأمنية تضعف الولاءات للدولة حيث يتجه من يشعر بالظلم إلى من يعتقد أنه سينصفه ويعطيه حقه الذي سلبته منه دولته، وغالباً سيلجأ إلى عدو بلاده، وهذا العدو سيجدها فرصةً سانحةً له لكي يجد له موطئ قدم يدخل من خلالها إلى منطقة عدوه ليحقّق عن طريق من لجأ إليه أهدافه في البلد الآخر، والذي يتأمل التاريخ يجد أن الأعداء إنما تمكنوا من السيطرة على الطرف المعادي لهم عن طريق خيانة البعض لبلده رغبةً في الانتقام، لأنها لم تعطه حقوقه كما يعتقد. وهذا من أخطر الأشياء وأسوئها.

الحوار جزء مما يجب فعله لتفادي معظم الأخطار التي قد تصيب الدولة أو المجتمع، ولكن عن أي حوار نتحدث؟ من أهم شروط الحوار الداخلي أن يكون الهدف من الحوار ليس انتصار فريق على آخر، وإنما تحقيق العدالة لكل الفرقاء الذين يشتركون في ملكية الوطن نفسه، وفي الحوار الداخلي مع أبناء الوطن الواحد نستبعد نظرية «الفريق القوي والفريق الآخر الضعيف»، فكل المواطنين أقوياء وبدرجة واحدة في وطنهم، وإذا اعتبرنا حديثنا السابق والذي تغنينا به ثلث قرن من أن خليجنا واحد فيجب أن يكون حوار دول الخليج مع بعضها بنفس المواصفات لكي يصل الجميع إلى حلول توافقية مقبولة منهم جميعاً، لا يشعر أحدهم أنه المنتصر ولا يشعر الآخر أنه المهزوم.

وفي الحوار الداخلي يجب أن يشارك فيه كل مكونات الشعب وعلى قدم المساواة، لأن استبعاد طائفة أو أصحاب تيار فكري معين يعني أن الهدف من الحوار لن يتحقق. ليكن الحوار صادقاً وشفافاً، وليقل كل مشارك فيه ما يعتقد أنه الصحيح دون خوف أو تردد، وليناقشه الآخرون بتجردٍ وبحثاً عن الحقيقة التي من المفترض أن يسعى إليها الجميع، وبنفس القدر من الحرص لأنها هي التي ستقود الوطن إلى بر الأمان، كما أنها هي التي ستقود المواطنين جميعاً إلى الاستقرار والأمن، ومن ثم إلى التعاون على بناء وطنهم وحمايته.

الحوار مع أبناء الوطن هو الأهم، وهو الذي يجب أن يقدم على غيره من الحلول، ومثل ذلك يقال عن الحوار بين دولنا الخليجية، وكلما بدأ الحوار أسرع كلما أمكن التغلب على كثيرٍ من العقبات التي قد لا نجد لها حلولاً ميسرةً فيما بعد. ومادام أن قدر كل دولة أن يكون فيها تنوعات دينية أو مذهبية أو فكرية، فإن من مصلحتها أن تجد حلولاً عمليةً لكي تتعايش مع بعضها البعض بكل هدوء واطمئنان، وأيضاً مادام أن خليجنا واحد -كما كنا نردد طيلة ثلث قرن- فإن من مصلحة هذا الخليج أن يبقى واحداً حقاً وصدقاً، لتكون وحدته مصدر قوته وتلاحمه وبقائه.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/869563.html