صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4239 | الثلثاء 15 أبريل 2014م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

هوس العرب بالسلطة

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

في مقال سابق تناولت فيه هوس العرب بالتدمير الذاتي، وفي هذا المقال سأتناول معضلة عربية أخرى وهي الهوس بالسلطة.

قال أحد الخلفاء مخاطباً ابنه بعد أن حدس أنه يطمع في الملك: «والله لو نازعتني فيه لأخذت الذي فيه عيناك». قليل من الحكام العرب كان زاهداً بالحكم، لكن الكثير من منافسيهم طامعون بالسلطة، وكأنها غاية المني، حتى ولو كان الوصول إليها بالتآمر والغدر وسفك الدماء.

إثر وفاه الرسول (ص) مباشرةً اجتمع صحابة الرسول، في غياب ابن عمه علي أبي طالب (ع) الذي كان يواريه الثرى، في سقيفة بني ساعدة، وكلنا يعرف النزاع المرير أولاً بين المهاجرين والأنصار، حيث استبعد الأنصار، ثم جرى تنافس شديد بين فروع قريش على من يتسلم الخلافة.

وباستثناء الخليفة الأول أبوبكر الصديق (ع)، فقد اغتيل الخلفاء الثلاثة من بعده عمر (رض) وعثمان (رض) وعلي (ع)، وبعدها بدأ حكم المسلمين حكماً وراثياً عضوضاً في آل أمية، ولم تكن الخلافة سلسةً دائماً، وقد جرى صراعٌ بين فرعي مروان وسفيان في البيت الأموي، وبدأت ظاهرة مكائد القصر، حتى قوّض حكم الأمويين على يد تحالف أبي مسلم الخراساني وأبي العباس ولقبه السفاح، لكثرة ما سفك من الدماء. وكان أبو مسلم الخراساني الضحية التالية بعد أن توطد الأمر لأبي جعفر المنصور، فاستدرجه إلى مدينة الكوفة التي كانت حتى حينها عاصمة الخلافة، وقتله شرّ قتلة.

ومع تطور الدولة وتشعب إداراتها ودواوينها، تعقد الصراع على السلطة، وتعقّدت فنون الخداع في دهاليز القصور، وكلنا يعرف الصراع بين الخليفة الأمين ابن زبيدة الزوجة المفضّلة لأبيه هارون الرشيد، والمأمون ابن جاريته الفارسية، ولم يطل الأمر بالأمين، حتى انقلب عليه أخوه المأمون، وأطاح به من الخلافة، وقيل أنه غدر به لاحقاً.

ونستطيع أن نستطرد كثيراً في سرد قصص التاريخ العربي والصراع الدامي على السلطة، الذي بلغ درجة كبيرة من الانحطاط في صراع ملوك الطوائف على الحكم في الأندلس، بينما العدو يتوحد ويتربص، واستغل صراع الأخوة الأعداء ليقوّض حكم العرب في الأندلس من قبل الملكة إيزابيلا والملك فيرديناند.

ولننتقل إلى العصر العربي الحاضر الزاهر، ولنبدأ بالثوار الذين طرحوا أنفسهم كمناضلين من أجل الشعب، وليس لديهم مطمع في سلطة أو جاه. ثورة 14 يوليو/ تموز 1958، في بغداد التي أطاحت بالحكم الهاشمي ورجله القوي نوري السعيد، بقيادة الزعيم الركن عبدالكريم قاسم والفريق الركن عبدالسلام عارف. وكانا في الأيام الأولى مثال الأخوة والتواضع، لكن الأمر لم يطل، وإذا بالزعيم الركن عبدالكريم قاسم يذهب ضحية انقلاب دموي غادر، حيث أعدم أمام مشاهدي التلفزيون وهو موثوق اليدين ومعصّب العينين، واستلم الحكم عبدالسلام عارف، الذي لم يطل به المقام حيث ذهب ضحية عملية تخريب لطائرته، وخلفه لفترةٍ وجيزةٍ أخوه عبدالرحمن عارف، ليُطاح به في انقلابٍ على يد البعث بقيادة رفيقه في السلاح الفريق أحمد حسن البكر، وبتنفيذ من قائد الحرس الجمهوري العميد عبدالرزاق النايف الذي كوفئ برئاسة الوزراء مؤقتاً، حتى رتب انقلاب عليه، وجرى إعدامه من قبل صدام حسين.

صدّام، بدوره رجل الحزب القوي ونائب الرئيس، دفعته الشهوة للسلطة إلى إجبار الرئيس البكر على الاستقالة مكرهاً، وتوارى بعدها في زوايا النسيان. هذا الفصل العراقي نموذجٌ لما جرى لثورات عربية أخرى.

ففي الجزائر، وثورة المليون ونصف مليون شهيد، تكللت الثورة بالنصر في سبتمبر/ أيلول 1962 بعد مفاوضات إيفيان حيث قيض لفرنسا قائد عظيم هو شارل ديجول الذي أدرك عقم الاستعمار الفرنسي للجزائر، وكان للثورة مجلس قيادة وحكومة مؤقتة، وخلفها جبهة التحرير الوطني الجزائري، وجيش التحرير الجزائري، وشعب مناضل وقف وراء قيادته وجبهته. وكان من المؤمل أن تدخل الجزائر بعد مرحلة الكفاح المسلح، إلى مرحلة البناء، حيث حظيت بدعم العرب في ظل قيادة الرئيس جمال عبدالناصر، ودعم المعسكر الاشتراكي والكثير من التقدميين حول العالم.

وهكذا انتخب أبرز قادة الثورة، أحمد بن بيلا، رئيساً للجمهورية بتزكية من جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وضمن مفهوم القيادة الجماعية. لكن الأمور لم تسر كما كان يتمنى الشعب الجزائري، إذ تفاقم الخلاف الداخلي داخل جبهة التحرير ليُتوّج بانقلابٍ قاده هواري بومدين، قائد جيش التحرير الجزائري، ليستولي على السلطة عنوةً ويزجّ بقائد الثورة والرئيس الشرعي في السجن، وليطوع جبهة التحرير لإرادته، ويعيد تركيبتها ويبعد مجموعةً من خيرة قياديي النضال، ولتبدأ الثورة تأكل أبناءها وينتهي العديد منهم اغتيالاً أو سجناً أو نفياً.

ومن الصعب الاقتناع أن ما جرى نتيجة خلاف سياسي، بل نتيجة شهوة عارمة للسلطة. ونستطيع الاستطراد في قصص الصراع على السلطة في الثورات أو الانقلابات التي شهدتها سورية واليمن بشطريه، وليبيا والسودان. لكن الصراع على السلطة ليس مقتصراً على نخب الثورات والانقلابات، بل أيضاً يشمل الملكيات المفترض أنها مستقرة، وإن يكن الصراع على السلطة فيها أقل دمويةً وأقرب إلى انقلاب القصور.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/876606.html