صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4256 | الجمعة 02 مايو 2014م الموافق 20 شوال 1440هـ

هكذا تكلم الزرادشتيون

تعود أصول الزرادشتية إلى القبائل الإيرانية، عندما كانت في وسط آسيا في الألفية الثانية قبل الميلاد، قبل أن تهاجر إلى الهضبة الإيرانية. وهي من أقدم الديانات في العالم، إلا أن معتقداتها كانت متقدمة على ديانات زمانها. تبنت الزرادشتية دولٌ وحاربتها دولٌ أخرى، وعاشت الديانة أياماً ذهبية وأخرى عصيبة في تاريخها الطويل. هذه المقالة هي محاولة لفهم بعض ما قاله الزرادشتيون، وليس ترديد ما قيل عنهم.

يصف «الابستا»، الكتاب المقدس للزرادشتيين الذي لم يُجمع إلا في القرن الخامس قبل الميلاد، زرادشت على أنه شاعر وقسيس زاهد بدأ حياته منعزلاً ومتأملاً في حال المجتمع الذي لم يرقَ له في وسط آسيا، فاختاره الإله الآهورا مازدا، الإله الحكيم والعليم، واختصه برعايته الخاصة، فنطق بحكمة تجاربه الإنسانية. بينما رأى الزرادشتيون فيما بعد أن زرادشت استلم الكلمات من الآهورا مازدا ونقلها إلى البشرية. وبهذه الخاصية يصبح زرادشت نبياً، حسب الفهم اليوناني القديم، والإنجيلي، والإسلامي. وعليه فهو النبي الآري الوحيد، ولذلك يسمى نبي إيران. وسواء كان زرادشت نبياً أو مصلحاً، فإنه نسف المعتقدات القديمة مثل تعدد الآلهة واعتمادها صفة القوة، ووحّد الآلهة في إله واحد هو آهورا مازدا وأعطاه صفة الحكمة، وبشر بالحق، وركز على حياة صحيحة قائمة على تقوى أصيلة وليس مجرد طقوس صارمة لاسترضاء الآلهة. وتقوم عقيدة الزرادشتية على الثنائية والصراع الأبدي بين النظام والفوضى، والحقيقة والضلال، والنور والظلام، واختصاراً بين الخير ويمثله الاهورا مازدا والشر وتمثله الروح الشريرة انجرا مانيو. ويؤمن الزرادشتيون بالبعث والحساب والجنة والجحيم.

يصلي الزرادشتي خمس مرات في اليوم. في صلاته، يتوجه نحو نور الشمس أو أي مصدر نور آخر ويقرأ من شعر زرادشت، الياسنا، أحد فصول كتاب الابستا. في الديانات القديمة، تفرد الزرادشتيون أنهم أصحاب الديانة الموحِدة الأولى التي عبدت إلهاً واحداً لا يُرى. ولم يكن لهذا الإله صنم أو شكل يشير إليه، فهو بالنسبة للزرادشتيين طاقة روحية تشع نور الحكمة وتطرد فوضى الظلام، ولهذا جاءت التعاليم للمؤمنين بالآهورا مازدا بعبادته في طريق النور. يؤمن الزرادشتيون أن قلوب المؤمنين تتأمل الخالق في أشعة الحقيقة ونور الشمس. قدس الزرادشتيون النور غير أنهم لم يتحكموا إلا في نورٍ واحد، هو النور الذي يصدر من النار. لهذا بنوا للنار معابد وحفظوها من التلوث حتى من أنفاسهم، لتبقى شعلتها نقية وأبدية. في نور الشمس من الخالق وفي نور نار المعبد من المخلوق يدرك الزرادشتيون عظمة الخالق. فالنار هي أكثر الرموز الزرادشتية للدلالة على قوة آهورا مازدا. وهي كذلك أساس النقاوة والطهارة. وخلافاً لما يعتقده الكثيرون، لا يعبد الزرادشتيون النار، وهي لا تمثل آهورا مازدا بالنسبة لهم. حكت الأساطير عن معجزات قام بها زرادشت، إلا أن الزرادشتيون الجدد لا يؤمنون بذلك.

لم يكن مقدراً للزرادشتية أن تنتشر لولا الامبراطورية الأخمينية. ففي القرن السادس قبل الميلاد، وحّد الامبراطور كورش الامبراطوريتين الفارسية والميدية في امبراطورية واحدة هي الأخمينية التي توسعت بسرعة لتصل حدودها إلى الهند شرقاً وأوروبا غرباً. اتخذت الامبراطورية الجديدة الزرادشتية ديناً رسمياً للدولة، وبنت عاصمتها الدينية في برسيبولس. عاشت الزرادشتية عصراً ذهبياً في عز الدولة الأخمينية، وتحول الموابذة، أو سدنة النار، إلى قساوسة الدولة ومستشاريين الملوك المبجلين. على بوابة قصره في برسيبولس، حفر الامبراطور الأخمينيي خشايار، أو زركسس، دعاء زرادشتياً للتبرك. ورد فيه:

آهورامازدا الإله العظيم

الذي خلق الأرض

والذي خلق السماء هناك

والذي خلق الإنسان

والذي خلق سعادة الإنسان

داخل قصر ابندانا، خصص الامبراطور خشايار الجدار الرئيسي للقرص المجنح والذي سيسمى فيما بعد الفراوهر، وسيصبح شعار الزرادشتية. (انظر صورة 1: القرص المجنح أو الفراوهر، الشعار الزرادشتي، عاصمة الأخمينيين بيرسيبولس). وحفر الأباطرة الأخمينيون قبورهم في أعالي الجبال على الطريقة الزرادشتية. لا يحتاج المؤرخون إلى شهادة الزرادشتيين عندما يقررون أن الامبراطورية الأخمينية كانت الأعظم والأكثر تحضراً وأقوى أمة في زمانها. في أيام مجدهم، عندما كانت روما تحبو، واليونان غير موحَّدة، قدم الأخمينيين نظاماً راقياً وديناً سمحاً للعالم. وكل أسرار عظمتهم خرجت من التعاليم الزرادشتية؛ والتي تتلخص في إيمانهم بالأفكار/النية الخيَّرة، والقول الخيَّر، والعمل الخيَّر. في الوقت الذي لم يكن الامبراطور المؤسس كورش زرادشتياً، إلا أنه كان عادلاً ومتسامحاً وأسس الدولة التي ستنشر الديانة الجديدة. لهذا، يعلق الزرادشتيون اليوم على صدورهم الفراوهر، شعار الزرادشتية، أو صورة الامبراطور كورش فالاثنان مترابطان في العقيدة ووجهان للعملة الزرادشتية.

لم تدم الامبراطورية الأخمينية المتسامحة مع أديان الممالك الخاضعة لها إلا قرنين فقط، فقد انهارت على أيدي جحافل الإسكندر الأكبر عام 330 ق.م. وانتقاماً لحرق الأخمينين لأثينا في حروبهم مع اليونان، حرق الإسكندر الأكبر بيرسيبولس ودمر المكتبة الامبراطورية واحترقت معظم الكتب الزرادشتية، ودمر جنوده المعابد وقتلوا القساوسة. كانت تلك الهزيمة أكبر ضربة تلقتها الديانة الزرادشتية وكادت أن تذوب في الحضارة الهيلينية أو اليونانية للدولة السلوسية التي أقامها سيلوسيوس؛ إحدى جنرالات الإسكندر في إيران. بعد السلوسيين جاءت الدولة البارثية التي بقيت مبهورة بالحضارة الهيلينة ومهملة للتعاليم الزرادشتية، ولهذا السبب لا يعيرها معظم المؤرخين الإيرانيين اهتماماً ويعتبرونها دولة غير إيرانية.

في القرن الثالث الميلادي، ثار الزرادشتيون الساسانيون على الحالة اللاإيرانية، وأسقطوا الدولة البارثية ليعيدوا الهيبة الإيرانية والالتزام الصارم بالتعاليم الزرادشتية. كان الأخمينيين منتصرين وبالتالي متسامحين لأنهم أداروا امبراطورية تتكون من ثمانية وعشرين مملكة، بينما كان الساسانيون يحكمون الهضبة الإيرانية فقط وفي حال نزاع دائم، وفي حال دفاع في بعض الأحيان، مع الامبراطورية الرومانية وفيما بعد البيزنطية. لهذا تمسك الملوك الساسانيون بالزرادشتية أكثر من نظرائهم الأخمينيين، خاصة بعد انتشار المسيحية في إيران، ومارسوا الطقوس الزرادشتية بتزمت أكثر. في العهد الساساني، حُفر معبد النار في الوجدان الإيراني كهوية قومية، ونُقش على الدرهم كرمز وطني. وقدر لهذا الدرهم وتصميمه الزرادشتي أن يبقى سالكاً حتى العام 79 للهجرة النبوية. ومثل نظرائهم الأباطرة الأخمينيين، حفر الملوك الساسانيون قبورهم الزرادشتية في صخور الجبال.

تسمى الزرادشتية كذلك المازدية أو المازدكية نسبة إلى آهورا مازدا، وتسمى كذلك الماجية نسبة إلى قسيس زرادشتي قديم اسمه ماجي. وهو الشخص نفسه الذي ذُكر في الإنجيل على أنه ملك من الشرق رأى نجمة في السماء فتنبأ بولادة النبي عيسى المسيح (ع)، ملك اليهود، وجاء بالهدايا إلى أورشليم مباركاً. لابد هنا من استقراء هذه القصة في سياق النزاع طويل الأمد بين الدولة الساسانية الزرادشتية في الشرق والدولة البيزنطية المسيحية في الغرب، فالقصة تبطن اعتراف الزرادشتيين بالمسيح نبياً - ملكاً بطريقة لا تقبلها الوقائع التاريخية المليئة بالحروب بين الدولتين.

استمرت الحروب المنهكة بين الزرادشتيين والبيزنطيين لمئات السنين ولم يستطع أي منهما القضاء على الآخر. حتى أن هذا الصراع ورد في القرآن في سورة الروم (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ). والفعل المبني للمجهول في الآية يرجع إلى الفرس، أو الدولة الساسانية الزرادشتية. إلا أن الضربة القاضية للدولتين جاءت من حيث لم تتوقع كلا الدولتين؛ من الصحراء العربية. ما يعرف بالفتح الإسلامي لإيران هو في الحقيقة صراع دام ستة عشر عاماً وفي إقليم جبال البرز أو مازندران استمر إلى عدة عقود، قبل أن تنهار الدولة الساسانية الزرادشتية وتسقط بكاملها في أيدي المسلمين. بعد هزيمة القادسية وسقوط العاصمة الساسانية قطيسفون أو المدائن، هرب يزدجرد الثالث، آخر ملك ساساني، إلى العمق الإيراني، واحتمى بقرية صحراوية صغيرة سميت باسمه الأول «يزد». (انظر صورة 2: درهم فضة ساساني يبين معبد النار وصورة الملك الساساني يزدجرد الثالث والأخير، حكم 632 - 651م). ظل المسلمون يلاحقون العائلة الساسانية والديانة الزرادشتية ويطفئون نيران المعابد في المدن التي تُفتح.

تحكي قصة أو أسطورة أنه في العام 640م، هربت الأميرة نيكبانو، الابنة الثانية للملك يزدجرد الثالث إلى جبال في صحراء كوير، قريباً من مدينة يزد. وعلى حافة جبل شاهق، بات مصير الأميرة معروفاً أمام تقدم طلائع المسلمين، عندها انفطر الجبل عن مغارة يقطر فيها الماء چكچك، أو قطرة قطرة، وحمى الأميرة. وبُني لاحقاً معبداً زرادشتياً سُمي بير سبز. وبير هي مصطلح زرادشتي يعني المقدس الذي يُحج إليه. وسبز تعني أخضر نسبة إلى عين الماء الموجودة هناك. يحج الزرادشتيون الورعون من إيران والهند إلى هذه المغارة كل عام، على رغم أن الزرادشتيين الجدد لا يؤمنون بالمعجزات! (انظر صورة 3: معبد بير سبز في جبل چك چك الذي تقع 60 كم شمال يزد).


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/881799.html