صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4270 | الجمعة 16 مايو 2014م الموافق 18 ربيع الثاني 1441هـ

الديمقراطيات العريقة... أين نحن منها؟

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

أثناء محادثات الوحدة اليمنية في العام 1990 ما بين شطري اليمن، جرت المناقشات حول تشكيل مجلس للرئاسة بدلاً من رئيس أوحد، حيث يترتب على ذلك تقييد صلاحيات وسلطات الرئيس. وقد حكم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح اليمن الشمالي بعد انقلاب عسكري منذ العام 1979، وعندما سمع الاقتراح ما كان من صالح إلا أن ردّ ساخراً: «يعني تريدني مثل الملكة إليزابيث» وهو بذلك يقلل من شأنها، ولا يعلم أن الشعب البريطاني يبجل ملكته ويحترمها ليس خوفاً كما هو الحال معه بل تقديراً لها.

يجرنا هذا إلى ما يتم طرحه عن الملكية الدستورية كنظام سياسي في بلداننا العربية. حيث إن المسئولين في العالم العربي وحوارييهم ما انفكوا يشنفون أذان شعوبهم بأسطوانة «الجهورية الديمقراطية» و«المملكة الدستورية» على غرار أعرق الممالك الدستورية، يعنى مثل المملكة المتحدة مثلاً. وكم سمعنا من مقارنات مجحفة ما بين الأنظمة العربية وبريطانيا من تشابه بل تماثل، فمجلس الشورى عندنا هو مجلس اللوردات عندهم، ومجلس النواب عندنا هو مجلس العموم عندهم! ورئاسة الحكومات عندنا هي «الكابينت» عندهم، والقضاء عندنا مثل قضاء «أولد بيلي» عندهم، والمحكمة الدستورية في بلداننا مثل محاكمة مجلس اللوردات عندهم... إلى آخر هذه المقارنات الاعتباطية.

حسناً فعلت جمعية الشباب الديمقراطي لتنظيمها ورشة حول الملكيات الدستورية يوم الثلثاء (15 أبريل/ نيسان 2014) في مقر جمعية «وعد»، حيث قدّم نخبةٌ من الشباب والشابات الواعدين أوراق عمل ممتازة حول نماذج من الملكيات الدستورية في دول مختارة من الوطن العربي وأوروبا وآسيا، وكذلك نظام الحكم البريطاني، مع عرض للخلفية التاريخية لكل نظام وتطوره في سياق التطور الوطني والإقليمي والدولي.

من بريطانيا غرباً حتى اليابان شرقاً، ومن السويد شمالاً حتى ماليزيا جنوباً، ومن المشرق حتى المغرب العربي، عرض بالتفصيل كل نظام ملكي دستوري ومزاياه وعيوبه، والقاسم المشترك ما بين هذه الأنظمة على رغم تباينها الشديد في العراقة والتجربة والحجم والمستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والمسيرة التاريخية، هو أنها جميعاً تعتمد قواعد ثابتة للملكيات الدستورية الديمقراطية ومنها:

1.إن كلاً منها باستثناء المملكة المتحدة، لها دستور مكتوب تحترمه.

2.إن الشعب هو المصدر الحقيقي للسلطات، من خلال استفتائه المباشر على القضايا المصيرية، ومن خلال ممثليه المنتخبين بحرية، في البرلمان أو المجلس الاستشاري المنتخبين، وممارسة البرلمان (المشكّل من غرفة أو غرفتين) كامل الصلاحيات التشريعية والرقابية.

3.تمثل المؤسسات الملكية رمز وحدة البلاد وسيادتها، حيث إنها فوق الصراعات السياسية والاختلافات في تكوين الشعب القومية والدينية والإثنية وغيرها، وفي الوقت ذاته فإنها لا تمتلك صلاحيات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية على رغم أن القوانين والتشريعات والأحكام والتعيينات تصدر باسمها.

4.وحتى في البلدان التي تعطي رأس الدولة صلاحيات مثل اختيار وتعيين الوزراء أو القضاة أو الدبلوماسيين أو كبار القادة المدنيين والعسكريين، فإن ذلك يتم من خلال المؤسسات المعنية مثل البرلمان أو مجلس القضاء أو الخدمة المدنية أو المؤسسة العسكرية، ويحمل توقيع المؤسسة العسكرية. كما أنه حتى في حال وجود هذه الصلاحيات كما في إسبانيا مثلاً، فإن الملك خوان كارلوس، تنازل طوعاً عن هذه السلطات وتركها للجهات المختصة، ذلك يجرى كما ينص عليه في الدستور، أو بحسب القواعد المرعية كما هو الحال في المملكة المتحدة حيث لا يوجد دستور مكتوب ولكن توجد قواعد دستورية.

5.على رغم كون الملكيات الدستورية وراثية في معظمها، فإنه بالنسبة لماليزيا مثلاً فإن سلطان البلاد يجرى اختياره بالتناوب لمدة 5 سنوات من بين 7 سلاطين في البلاد، وبالنسبة لجميع الملكيات الدستورية فإن آليات الوراثة وقواعدها منصوص عليها في الدستور (باستثناء بريطانيا). ويمتلك القضاء أو المجلس الأعلى في السلطة التشريعية صلاحية التدخل في حال حدوث تنازع أو أمر طارئ، فقد عزل مجلس اللوردات مثلاً، الملك إدوارد، عندما تزوّج المطلقة الأميركية، وصعد إلى العرش ابنته إليزابيث الثانية التي مازالت تحكم المملكة المتحدة حتى الآن.

6.تتفاوت امتيازات رأس السلطة وأفراد الأسرة الملكية من بلد لآخر ومن نظام لآخر، لكن التوجه العام أنه باستثناء الألقاب التي يحملها أفراد الأسرة الملكية الأقربون، كما هو الحال في بريطانيا مثلاً فإنهم يعاملون كمواطنين في حقوقهم وواجباتهم، ويلتحقون بمختلف المهن ويخضعون للتجنيد الإجباري حيث هو مشرع، كما هو معروف في حياة أفراد الأسرة البريطانية. وهم يخضعون للقضاء العادي ويدفعون الضرائب للدولة.

7.وبالطبع يحظى أفراد الأسر المالكة بتغطية واهتمام الإعلام، وهو مزعج أحياناً، لكنهم لا يسلمون من النقد. كما أن هناك ظاهرة مهمة وهي أنهم يتزاوجون رجالاً ونساءً، ليس فقط من عامة أبناء شعبهم بل وحتى من أبناء الشعوب الأخرى. كما يقوم المشهورون منهم بالترويج لبلدهم وتعزيز علاقاته السياسية والثقافية والاقتصادية، من دون الانحياز لطرف ما، وهذا مصدر فخر لبلدانهم وشعوبهم.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/886179.html