صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4270 | الجمعة 16 مايو 2014م الموافق 18 رجب 1444هـ

بلدة أقجة قلعة التركية تغص بمقاتلي «أحرار الشام».. و«داعش» تنهب بيوتهم

يمكن للمرء أن يتتبع مسار الصراع السوري من خلال معرفة الأحداث التي نتجت عنها الجروح المنتشرة في ساقي المقاتل السوري عبد اللطيف. يكشف عبد اللطيف عن ساقه اليمنى التي بدت وقد غطتها الكثير من الجروح ذات اللون الوردي الضارب إلى الحمرة والتي تنتشر من الكاحل وحتى الركبة. يعلق عبد اللطيف على تلك الجروح بقوله «نتجت تلك الجروح عن الشظايا التي أصابت ساقي عندما كنت أقاتل ضد النظام في مدن الرقة ورأس العين». أما قدمه اليسرى، التي بدت ملفوفة في ضمادة تظهر عليها بقع الدم المتناثرة في لون أبيض يلمع تحت ضوء شمس الشتاء الساطع، فيقول عنها عبد اللطيف: «هنا أصابتني رصاصة قناص عندما كنت أقاتل ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)».

وبينما يجلس في مقعد بلاستيكي على أحد الأرصفة في مدينة أقجة قلعة التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، يمكن لعبد اللطيف أن يسمع بوضوح أصوات الانفجار المتقطعة الناجمة عن أجواء إطلاق النار الاحتفالية التي يقوم بها أعداؤه. ولا يفصل بلدة أقجة قلعة التركية عن مسقط رأسه بلدة تل أبيض سوى معبر حدودي ضيق وبضعة أمتار غير مأهولة بالسكان. في شهر أغسطس (آب) الماضي، استطاعت كتيبة أحرار الشام، التي كان عبد اللطيف أحد مقاتليها، أن تطرد ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية وتستعيد السيطرة على تل أبيض ومعبرها الحدودي الاستراتيجي.

غير أنه ومنذ 10 أيام، تبدل الحال في تل أبيض، حيث سقطت في أيدي مقاتلي تنظيم «داعش» المرتبط بتنظيم القاعدة والذي انخرط في الصراع السوري نهاية ربيع عام 2013. وخلال الأشهر التالية، زادت أعداد مقاتلي «داعش» وقويت شوكتهم، وأصبح التنظيم من أكثر المجموعات المكروهة التي يخشاها المواطنون السوريون بسبب سمعتهم السيئة في تطبيق قوانين وإجراءات تعسفية لا ترحم في المدن التي استطاع مقاتلوه السيطرة عليها. وأخيرا وخلال الأيام الأولى من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، دخل تنظيم «داعش» في صراع صريح مع «الجبهة الإسلامية»، وهو ائتلاف يضم مجموعة من كتائب المعارضة المقاتلة، بما فيها كتيبة أحرار الشام، التي ينتمي لها عبد اللطيف. وخلال معركة شرسة اندلعت في الـ11 من يناير واستمرت ثلاثة أيام، استطاع مقاتلو «داعش» طرد مقاتلي «أحرار الشام»، ومعظمهم من أبناء البلدة مثل عبد اللطيف - من تل أبيض وأجبروهم على النزوح إلى تركيا.

عندما انضم عبد اللطيف إلى صفوف المعارضة السورية للقتال ضد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، كانت قواعد المعركة واضحة، فقد كان واحدا من المتمردين الذي يقاتلون ضد النظام. في بداية الصراع المسلح، انخرط عبد اللطيف في صفوف كتيبة الفاروق، التي كانت واحدة من أقوى كتائب الجيش السوري الحر. وبعد سبعة أشهر، ترك عبد اللطيف كتيبة الفاروق لينضم إلى كتيبة أحرار الشام، التي تعرف بتوجهاتها الفكرية الإسلامية وخط قتال أمامي مخيف. ويوضح عبد اللطيف سبب انشقاقه عن كتيبة الفاروق وانضمامه لكتيبة أحرار الشام بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد هناك ما يسمى بكتيبة الفاروق»، على الرغم من أنه ما زال يرتدي قميصا يحمل شعار تلك الكتيبة.

والآن وبينما يقترب حلول الذكرى الثالثة لانطلاق شرارة الثورة السورية، يبدو الصراع وكأنه قد تحول إلى شبه المستنقع، متمردون يقاتلون متمردين مثلهم، وإسلاميون منخرطين في صراع ضد إسلاميين مثلهم. قبل عدة أشهر، انخرط متمردو أحرار الشام الإسلاميين في قتال ضد متمردي وحدات حماية الشعب الكردية، وبعد ذلك بخمسة أشهر، دار قتال عنيف بين مقاتلي «داعش» ومتمردي «أحرار الشام» الإسلاميين. يعلق عبد اللطيف على المواجهة بين «أحرار الشام» و«داعش» قائلا: «حتى قبل تلك المواجهة، كان تنظيم (داعش) يصف مقاتلي أحرار الشام بأنهم كفار، وأنه ينبغي عليهم أن يقتلونا جميعا».

وقد جرى طرد مقاتلي «أحرار الشام» من مدينة تل أبيض السورية إلى مدينة أقجة قلعة التركية المتاخمة لها، حيث بقوا عالقين هناك يتابعون أعداءهم بينما ينهبون بيوتهم تحت سمعهم وبصرهم ولا يستطيعون أن يحركوا ساكنا. يبدو ذلك واضحا في ما يقوم به أبو حسين كل يوم حينما يصعد إلى أعلى ركام من الحصى مواز لسياج حدودي من السلك الشائك حتى يراقب منزله الواقع على بعد أقل من 200 متر. يقول أبو حسين وهو ينظر إلى منزله على الجانب السوري: «ها هو، إنه ذلك المنزل الأصفر اللون الذي يوجد مكاتب في طابقه السفلي». وما هي إلا دقيقة حتى يشير أبو حسين إلى شخصين يقتربان من منزله ويقول «إنهما من مقاتلي تنظيم (داعش)، أعرفهما لأنهما يرتديان الزي الباكستاني، كما يتميزون بلون ملابسهم السوداء».

وكان أبو حسين يعمل كحارس في نقطة التفتيش التي أقامتها كتيبة أحرار الشام في معبر تل أبيض الحدودي مع الجانب التركي. والآن، يبدو هذا المعبر قريبا منه، وكانت الحكومة التركية قد أغلقته عند اندلاع القتال بين «أحرار الشام» و«داعش»، وتفتحه بين الحين والآخر حتى تسمح للاجئين السوريين بالعبور إلى تركيا. وفي بعض الأحيان، يتسلل أبو حسين بطريقة غير شرعية ويتسلق سياج السلك الشائك رغبة منه في قضاء بعض الدقائق الثمينة على أرض وطنه الغالي. ومع ذلك، لا يستطيع أبو حسين الاقتراب من منزله الذي بات محاطا بمقاتلي «داعش»، الذين أعدموا عشرات المقاتلين من «أحرار الشام» عندما نجحوا في السيطرة على تل أبيض، ويعرف أبو حسين جيدا أنه سيلقى نفس المصير لو وقع بين أيدي مقاتلي التنظيم. وخلال عمله في نقطة التفتيش، كانت مهمة أبو حسين تتلخص في مقارنة أسماء المارين بالنقطة مع قائمة سوداء بأسماء مقاتلي نظام الأسد المطلوبين. غير أن الحال تبدل خلال 10 أيام فقط، يقول أبو حسين ضاحكا «أما الآن، صار اسمي مدرجا على قائمة سوداء».

وتعج شوارع مدينة أقجة قلعة التركية بالكثير من الرجال الذين كانوا يحملون صفة مقاتلين قبل 10 أيام، أما الآن، فقد صاروا لاجئين. وببشرته الصهباء وشعره الأحمر اللامع، يبدو محمود، الذي انشق عن جيش النظام السوري في مارس (آذار) 2011، بمظهر مختلف بين رفقاء السلاح. ومثل عبد اللطيف، انضم محمود إلى كتيبة الفاروق قبل أن يلتحق بكتيبة أحرار الشام. والآن، ينام محمود في شوارع أقجة قلعة حيث لا يوجد مكان آخر غيرها يمكنه النزوح إليه. ويتساءل محمود: «ما الذي يمكننا فعله الآن؟ سيقوم مقاتلو (داعش) بتفجير منازلنا، فمن الذي سيوفر لنا منازل جديدة؟».

وبصوت يملؤه الغضب، يصف محمود المعركة التي دارت بين «أحرار الشام» و«داعش» في تل أبيض: «كان من الممكن أن نهزم مقاتلي (داعش)، لكن قادتنا كانت لهم سياسة أخرى». ويتهم محمود قادة أحرار الشام بـ«خيانة» مقاتلي الكتيبة، قائلا: «لقد كانوا يصدرون أوامر بالانسحاب من دون الاشتباك مع (داعش). في بادئ الأمر، رفضنا إطاعة تلك الأوامر، لكننا حوصرنا في نهاية الأمر، فاضطررنا للانسحاب».

ويواصل هؤلاء الرجال، الذين تغص بهم شوارع أقجة قلعة معركتهم على الرغم من تغير معطيات الحرب من حولهم. لقد خبر أولئك الرجال الكثير من المواقف في ذلك الصراع الذي يشهد تحولات لم يشهدها صراع مثله قبل ذلك، ثم وجدوا أنفسهم في نهاية الأمر يجلسون هنا مرهقين ومرتبكين وغاضبين وغير متأكدين مما سيحمله المستقبل لهم. غير أن ولاءهم القديم بقي على حاله ولم يتغير، فبعد كل ما حدث في تل أبيض، لا يرون أنفسهم إلا متمردين.

يقول عبد اللطيف: «ما زلت أنتمي للجيش السوري الحر!»، مصرا على أنه ما زال يقاتل من أجل مبادئه الثورية التي يبدو أنها أصبحت أبعد ما يكون عن الصراع الدائر حاليا في سوريا، مضيفا: «أريد ديمقراطية وحرية وسأقاتل من أجلها». وبسؤاله عن أكثر جروحه إيلاما، رد عبد اللطيف مبتسما ابتسامة ساخرة: «الجرح الذي سببه القتال ضد (داعش) هو الذي يؤلمني أكثر».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/886260.html