صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4290 | الخميس 05 يونيو 2014م الموافق 13 ذي القعدة 1440هـ

الاضطراب الاجتماعي إلى متى؟

الكاتب: منبر الحرية - comments@alwasatnews.com

قد تكون المجتمعات العربية ما قبل الحرب العالمية الأولى أكثر استقراراً مما بعدها. في ظل السيطرة العثمانية والخمول الفكري لم تكن هناك من قوى اجتماعية متصارعة بصورة دائمة تسبب اضطراباً اجتماعياً كبيراً وخطراً. لذا كان الخمول الفكري والانعزال الحضاري هو القوة السائدة والتي كانت وراء الاستقرار السلبي لتلك المجتمعات.

بعد الحرب العالمية الأولى والتي تشكل نقطة التحول الكبرى والفاصل الكبير بين عهدين أخذت هذه المجتمعات الدخول في متاهات المعاصرة بعد انكسار الانعزال الحضاري، إلا أن هذا الدخول لم يكن بقوى ذاتية تمتلكها ولا بطريق واضح تعرفه. مع ذلك كانت هناك محاولات بناء ساذجة هدفها اللحاق بالحضارة العالمية قام بها الحداثيون على اختلاف أيديولوجياتهم وسياساتهم.

لقد اهتم الحداثيون ببناء المدينة مقلدين المدينة الغربية دون اهتمام ببناء الإنسان المعاصر ودون اهتمام كبير بالريف وبالطبقات الضعيفة اقتصادياً والتي تشكل النسبة الكبرى في هذه المجتمعات. وهنا ظهر صراع قوى الحداثة المختلفة وبأشكال مختلفة كل فريق يحاول أن يرسم طريقه الخاص في البناء. وكانت الثورات والانقلابات المتتالية.

وكان هناك بناء وهدم مستمرين نتيجة لذلك. وكان الجميع يبني على رمال متحركة، قد لا تتحرك الرمال لفترة من الزمن ولكن لا كفيل هناك لبقائها ساكنة إلى الأبد.

على العموم اهتمت هذه المحاولات التحديثية بالبنى المادية للمجتمع أكثر من الكيان البشري، لذا بقي الفكر الاجتماعي السائد على ما هو عليه ما قبل الحرب العالمية الأولى تقريباً إلا أنه في الوقت ذاته أخذت بالتكون أجيال جديدة وبعقليات أكثر انفتاحاً ومعاصرة لتشكل بمرور الزمن تياراً اجتماعياً جديداً مقابل الفكر الاجتماعي السائد ولكن هذا التكون نشأ على نطاق محدود وغير مؤثر بصورة كبيرة ونجده في الغالب في المدن. على ذلك يكون المجتمع بعد عقود عدة من انتهاء الحرب العالمية الأولى تحت تأثير قوتين الأولى قوة سائدة اجتماعياً ومتجذرة ولكنها خبت بعد الحرب وبقيت كامنة وبمرور الوقت أخذت تستعيد قوتها أما الثانية فهي القوة الحديثة صاحبة السلطة والتي تكونت خلال عقود بعد الحرب وتحمل البعض من روح المعاصرة والتي لم يكن لها وجود سابق... بسبب هاتين القوتين أخذ بالظهور صراع جديد وعدم استقرار آخر في المجتمعات العربية والإسلامية. الحداثيون وعلى الأغلب مؤدلجون والأصوليون مؤدلجون أساساً.

خلال العقد التاسع من القرن العشرين تقريباً بدأ يضعف إلى حد ما صراع الحداثيين ليبرز وبصورة أقسى صراع الحداثة والأصولية. لقد كان صراع الحداثيين متميزاً بالانقلابات العسكرية والثورات أما الفكر الأصولي فتميز بتجاوزه السلطة نحو المجتمع ومؤسساته وهنا يكون طريق الانفتاح الحضاري الذي فتحته الحرب العالمية الأولى مهدداً بالانغلاق، لتعود هذه المجتمعات إلى ما كانت عليه! ولكن هل من الممكن تحقق هذا الافتراض؟

المنطق العلمي يرفض العودة المعكوسة للزمن للمنظومات المعقدة. نعم قد تتحقق هنا أو هناك حالة أو حالات تعود بالفكر الأصولي بالسيطرة ولكنه في زمن وعالم متحرك ديناميكي لا بد وأن يحاول أن يتغير من أجل البقاء.عالم اليوم هو غير عالم القرون العشرة الماضية. إن ما يهم الأصوليين إعادة السلطة القديمة وعدم الاهتمام بما هو على الأرض إلا بما يوفر لهم الاستمرار والسيطرة وكأي سلطة مؤدلجة تقوم على السيطرة على المجتمع من خلال برامجها المقبولة من قبل البسطاء الذين يمثلون الأغلبية الساحقة دون أن تستطيع أن تبني لهم جنة على الأرض المعاصرة.

هذه المحاولات هي الأخرى تسبب عدم استقرار اجتماعي و فكري خطيرين. إضافة لصراع الحداثيين والأصوليين أعلاه فإن الأصوليين حالهم حال الحداثيين فهم مختلفون فيما بينهم ولكل منهم فكره المقدس وطريقه الخاص، وهذا ما يقود إلى صراع الأصوليين بتياراتهم المختلفة.

هنا نجد أن الاستقرار الاجتماعي كبير جداً ويتمثل في الأقل بثلاثة أنواع من الصراعات التي تهز المجتمعات العربية والإسلامية. صراع الحداثيين فيما بينهم وصراع الحداثيين والأصوليين وصراع الأصوليين فيما بينهم. في بيئة اجتماعية تعيش هذه الصراعات المتداخلة والمتشابكة يصعب فيها البناء وتجاوز حفرة الزمن التي نشأت قبل الحرب العالمية الأولى واستغرقت قروناً. وطالما كانت القوى الفاعلة تناصب العداء القاتل لبعضها البعض فلا أمل هناك للبناء المادي ولا لبناء الإنسان المعاصر.

ومتى ما استقر الوضع لإحدى هذه القوى أو أية قوى أخرى فإن احتمال الاستقرار سيكون متحققاً. استقرار الوضع لقوة معينة ليس المقصود به استلام السلطة بالقوة العسكرية قدر ما يعني القبول الاجتماعي بها وهذا بحد ذاته من أعقد الأمور وأصعبها تحققاً. ولكن أي وعي اجتماعي هذا يمكنه أن يقرر؟ وكيف تكوّن؟ ومن ثم أية قوة تحظى بهذا القبول ويمكن لها أن تفرض سيطرتها في عالم سريع التغير تلعب فيه التكنولوجيا الدور الكبير؟

الوعي الاجتماعي يلعب الدور الأساسي والكبير في الصراع وعدم الاستقرار. لقد تشكل الوعي الاجتماعي قبل الحرب العالمية الأولى على أساس ديني وقبلي عشائري… الوعي الاجتماعي المعاصر بعيد جداً في هذه المجتمعات عن التربية المدرسية وتربية الشارع وحتى الكثير من خريجي الجامعات ليسوا أكثر حداثة فكرية من الفلاح البسيط ويختلفون عنه في تخصصهم الحديث فقط.

القوة الاجتماعية التي تمتلك القدرة على استيعاب المتغيرات باختلافها والتي تستطيع أن تبني الريف ليصل إلى مستوى مقارب إلى المدينة والتي تستطيع أن تبني الإنسان مع بناء المؤسسات الحديثة دون أن تفضل البناء المادي أو البناء العقائدي المؤدلج للفكر الاجتماعي عندها من الممكن أن يتجه المجتمع نحو الاستقرار النسبي ليبني مؤسساته الحديثة الأكثر استقراراً، عند هذا قد تبدأ مرحلة الاستقرار الإيجابي الجديد وتعتبر المرحلة الحالية بمثابة مرحلة انتقالية. عملية مثل هذه تستغرق مدة ليست بالقصيرة وربما ستتجاوز القرنين من الزمن وكأي نموذج غير مستقر لا يمكن أن تستمر حالة عدم الاستقرار ولابد أن تعقبه مرحلة تخامد تدريجي.

من المؤسف أن فترة الاضطراب الحالية تستخدم الثروة النفطية وهي الوحيدة المتوافرة في البناء القلق والهدم السريع وهذا ما يعني أن فترة الاستقرار قد تكون فترة نضوب الثروة... وهنا يبدأ المجتمع في تكوين جيل وفكر اجتماعي يطمح للعمل الجاد والنوعي دون الاعتماد على ثروة طبيعية زائلة.

محمد عز الدين الصندوق

(ينشر المقال بالتعاون مع منبر الحرية)

أكاديمي عراقي مقيم بالمملكة المتحدة البريطانية


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/892692.html