صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4421 | الثلثاء 14 أكتوبر 2014م الموافق 14 شوال 1445هـ

تذويب الهويّات الوطنية لصالح الطائفية والقبلية

الكاتب: منصور الجمري - editor@alwasatnews.com

لفتت انتباهي خريطة للقبائل العربية في المنطقة الممتدة من الموصل في شمال العراق إلى سورية غرباً، مروراً بالجزيرة العربية حتى اليمن جنوباً... والخريطة يبدو أنها ارشيفية قديمة (لعلها من الارشيف البريطاني) وهي تعود إلى مطلع القرن العشرين. هذه الخريطة توضح كثيراً من الأمور التي نمُرُّ بها حالياً... ففي فترة سابقة كانت السياسة تتمحور حول القبائل والطوائف، وعندما تشكلت الدول القومية بحدودها الجغرافية الحالية سعت الحكومات الجديدة إلى خلق هويّات وطنية تختص بكل بلد.

عندما بدأت إدارات الدولة الحديثة تتكون في عشرينيات القرن الماضي، سعت الحكومات إلى تخطي الفواصل القبلية والطائفية، وحتى أن الأسماء التي تحمل ألقاب القبائل بدأت تُخَفَّف عبر إزالة كلمة «بن» من الأسماء (بدأ هذا التوجه في عشرينيات القرن الماضي)، لأنه ليس من المهم في الدولة الحديثة إلى مَنْ ينتمي الفرد، وإنما المهم ولاؤه وعطاؤه لوطنه، وحبه لخدمة مجتمعه.

التحدي الأكبر للهويّات الوطنية (التابعة لكل دولة على حدة) جاء في خمسينيات القرن الماضي من دعوات القومية العربية والاشتراكية العالمية، ومع ذلك، فإن الدول الحديثة استطاعت المحافظة على هويّاتها الخاصة بها. استمر هذا الوضع حتى ثمانينيات القرن الماضي مع صعود موجة المدّ الإسلامي، بشقّيْه السني والشيعي، وبدأت حينها الروابط الطائفية تصعد بشكل ملحوظ على حساب الهويّات الوطنية. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بدأت تعود الثقافة القبلية بقوّة، حتى أن الأسماء تمّت إعادة كتابتها لتحتوي على كلمة «بن»، وذلك في إشارة إلى تصعيد شأن القبيلة والعائلة في المجتمع والدولة.

ما يجمع بين صعود المدَّين الطائفي والقبلي هو تصغير مستوى الهويّة الوطنية، إذ إن الحركات الإسلامية، ولاسيما التي اتجهت نحو العنف والإرهاب منها، تدعو إلى الجهاد والهجرة إلى أي مكان تستطيع فيه رفع راية القتال، وبالتالي فإن الحدود الجغرافية للأوطان ليست مهمة. الحال ذاته مع القبائل التي ترى أن «الحياة في الحل والترحال»، لأن الأهم هو انتماء المرء للنسب والأجداد. وعلى رغم أن هذا الطرح له مبرراته، فإن هذا يسهل تذويب الهويّات الوطنية التي تكوَّنت على مدى القرن العشرين. وإذا أضفنا إلى هذا التوجه المدّ الديني الذي يرفع شأن الشخص على أساس انتمائه الطائفي، فإن ذلك يوضّح كيف تم خلق وتبرير التمايز والتمييز بين الفئات المجتمعية، وكيف حدث الترابط بين الفئات عبر الحدود الجغرافية وعبر الهويّات الوطنية، وكيف أن كل ذلك أصبح يغذي الأحداث التي تهز منطقة الشرق الأوسط حالياً.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/928449.html