صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4425 | السبت 18 أكتوبر 2014م الموافق 22 صفر 1441هـ

مجلس النواب... كيف له أن يُهان؟

الكاتب: يعقوب سيادي - comments@alwasatnews.com

مجلس النواب المنتخب شعبياً، أو بتسمياته الأخرى، البرلمان أو بيت أو مجلس الشعب، هو أعلى سلطة أو هيئة أو مؤسسة في مؤسسات نظام الحكم، في الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، التي تنهج نظام الحكم الديمقراطي، المتصف بأن «السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعاً»، وذلك لطبيعته المفترضة للتعبير الحر، عن الإرادة الشعبية، في الرقابة على السلطات الأخرى، وبالتالي توجيهها ومحاسبتها، من خلال مهماته الأساسية في العملية التشريعية والرقابية، كل ذلك، من بعد، وتمثيلاً للسلطة الأولى، والأساسية والمرجعية، وهي سلطة الشعب المباشرة، ولممارستها آليات تحتويها النصوص الدستورية، لدستور عقدي يتوافق عليه ويقرّه مجلس دستوري منتخب شعبياً، من مثل حرية الرأي وحرية التعبير، والتجمعات والتظاهرات، وحرية تأسيس الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ...إلخ.

تبدأ الصفة الديمقراطية لنظام الحكم، بالعملية الانتخابية الشعبية المباشرة الحرة الأولى، لانتخاب مجلس دستوري، يصوغ دستوراً وطنياً متوافق عليه، يحدد السمات الأساسية لنظام الدولة وآلية تأسيس سلطاتها، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والعلاقة بينها، فالسلطة التشريعية، لها مهام التشريع للأخريين، والرقابة على السلطة التنفيذية التي لها مهام رسم مشاريع ومسودات سياسات الدولة السيادية والخدمية الداخلية والخارجية، لعرضها على السلطة التشريعية، للموافقة عليها من عدمها، وفي حال الموافقة، تصدر السلطة التشريعية، التشريعات والقوانين المنظمة، التي ترسم حدود التصرف للسلطة التنفيذية من أجل تنفيذ، فقط تنفيذ قرارات وتشريعات السلطة التشريعية، لتأتي السلطة القضائية لتحكم بالنظر والقضاء في خلافات السلطات والمؤسسات والأجهزة الرسمية وكذلك الأفراد، بما يقرره الدستور والقوانين والتشريعات، ومن هنا جاءت الأهمية القصوى للفصل بين السلطات الثلاث واستقلالها في التأسيس والإدارة والتمويل والقرار.

وبهذا فالشعب هو الأصل، يسود جميع السلطات، فهو الذي ينتخب ويفوض السلطات، سواء تلك التي تنوب عنه في الرقابة والتشريع (السلطة التشريعية)، بما يحفظ سيادته، ويحفظ حقوقه وكرامته، والتي يوليها مهمة رقابة ومحاسبة السلطة التنفيذية، التي هي الأخرى، يفوضها الشعب، باتخاذ الإجراءات التنفيذية لخدمة أفراده المواطنين بمبادئ العدالة والمساواة التي صاغها في دستوره العقدي، وبما تُشَرِّع فيها السلطة التشريعية، كما يفوض السلطة الثالثة السلطة القضائية، التي تفصل وتقضي في العلاقة ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بعضها تجاه بعض، وفيما بين الأفراد الطبيعيين والمؤسسات الاعتبارية ، والأهم الحكم والقضاء في دستورية وقانونية وحقوقية قرارات السلطة التشريعية والتنفيذية، كل على حدة.

ولكي تكون السلطة التشريعية، مكتسِبة التمثيل الشعبي بالتفويض، فنرى في أنظمة الحكم الديمقراطية في الدولة المدنية الحديثة، على اختلاف أنواعها، الجمهورية الشعبية أو الرئاسية، أو الملكية الدستورية، نرى اشتراط عمليات التأسيس للسلطة التشريعية، لمختلف فصولها التشريعية، محكومة بالانتخاب الشعبي، سواء في كلها، أو في بعضها، أما في حالات مجالس الشورى والأعيان كما في بعض الممالك، فإن دورها لا يتعدى إسداء الرأي والمشورة لمجلس النواب.

إلا أن النص الدستوري كما لدينا في البحرين، قد تجاوز في ذلك الإرادة الشعبية التي توافق عليها الشعب في ميثاق العمل الوطني، لسببين، الأول أن المعنى اللغوي والقانوني والحقوقي، وضَعْ ما شئت من مصادر المعاني، بما في ذلك النص الديني، في تسمية الشورى، التي لا تعني سوى الرأي والمشورة، المسداة لمجلس النواب، صاحب القرار والتشريع، «وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله» (آل عمران: 159)، فالعزم هنا موكول لإرادة صاحب القرار والتوكل على الله، وليس لصاحب الرأي والمشورة (مجلس الشورى)، السبب الثاني معلوم للجميع عبر الوثيقة التأكيدية على محدودية صلاحيات مجلس الشورى بالرأي والمشورة، التي وقعها الحكم، ونتيجتها إجماع المواطنين على التصويت بـ «نعم للميثاق»، ثم تجاهل النظام ذلك في النص الدستوري وفي آلية تعديل الدستور، بما أسس لبذرة الأزمة الدستورية والسياسية والحقوقية التي نعيشها اليوم في البحرين.

وعلى رغم المحاولات السلمية المستميتة من جانب القوى الشعبية، لتبيان تلك المساوئ والضغوط للعدول عنها، الا أنها شاركت من بعد الامتناع في الفصل التشريعي الأول 2002 - 2006، لتستمر مشاركتها قرابة الفصل التشريعي ونيف منه، 2006 - 2010 وإلى عام 2011، ذاك العام الذي أزاح يومه 14 فبراير/ شباط، والأيام التي تلته إلى يومنا هذا، أزاح الستار عن نتائج جميع الممارسات، فظهر حجم التجنيس خارج القانون، وسرقات أموال الدولة، بما هدد ويهدد الهوية والسلامة الوطنيتين، فكان فداء ذلك كثرة من الشهداء، وآلاف السجناء والملاحقين السياسيين، ومثلهم وأكثر من المفصولين من العمال والمدارس والجامعات.

ليتبدّى واضحاً لجميع الأطراف، من المعارضين السياسيين، إلى المثقفين والمفكرين، الحالمين الآملين في الحكومة، (ودعنا من المتسلقين الدراكوليين)، ويتيقَّنوا أن الحكومة قد أنشبت مخالب، وزَنْجلت سلاسل، لتكون لها الغلبة بالقرار في السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولسان حالها يقول للشعب وممثليه في مجلس النواب، «وأنت مصدر السلطات... لك البحر فاشرب، ومجلسكم النيابي، نحن من نعين داخليه، ونُخرِج منه خارجيه، فمتلهفو مال الفساد، ومتسلقو ذمم الطيبين من المواطنين، أصحاب لنا ندعمهم، وهم لنا عليكم عونٌ ووسيلة».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/929476.html