صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4431 | الجمعة 24 أكتوبر 2014م الموافق 11 محرم 1446هـ

التوهج الذاتي في نهضة الإمام الحسين (ع)

الكاتب: منصور القطري - comments@alwasatnews.com

تذكر الرواية الرسمية للتاريخ مقولة “البحر من ورائكم والعدو من أمامكم”، في معرض حديثها عن المعركة التي خاضها القائد طارق بن زياد حين فتح الأندلس، حيث قام بحرق السفن فوضع الجيش أمام خيارين: إما مواجهة العدو أو الموت غرقاً في البحر عند التراجع أو الهروب.

غير أن هناك موقفاً مختلفاً تماماً، تمثل في مقولة الإمام الحسين (ع) عندما قال لأصحابه: “هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً”، والتي تجسد نمطاً من القيادة ليس له شبيه، ولا يعرفه للأسف، الجيل المسلم المعاصر. موقفان تاريخيان بحاجة إلى تأمل.

الإمام الحسين (ع) يوم العاشر من محرم يخاطب أصحابه ويدعوهم إلى حرية الاختيار، ليرفع عنهم الحرج ويرخص لهم أن يتركوه. ولمزيد من رفع الحرج خيّرهم أن يغادروا أرض المعركة في الليل حتى لا يخجل من يريد أن يتراجع، حيث قال: “هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وسترا”. لكن ماذا كان موقف أصحابه؟

لقد حظي الحسين بأنصار لم يحظ بهم قائدٌ في التاريخ على الإطلاق. لقد تُرك النبي (ص) في معركة أحد وقد أصيب بعدة جراحات وليس معه إلا ثلة قليلة من أصحابه البررة، وبعض أصحاب موسى (ع) عبدوا العجل وخذلوا نبيهم، في حين لم يسجل التاريخ أن أحداً قد هرب في معركة كربلاء.

لقد سطر الإمام سبط الرسول (ص) أعظم ملحمة في تاريخ البشرية ينحني لها جميع العظماء والأحرار في العالم خشوعاًً واحتراماً. فمنذ الخطوات الأولى للتحرك وحتى الساعة الأخيرة، سلك الإمام سبيل النزاهة في عملية التجنيد وإقصاء من ليس لديه الدافعية الذاتية للتضحية؛ لحرصه الشديد على إظهار جبهة الثوار بمظهرها اللائق عبر التاريخ.

لقد أخبر أصحابه أنهم يُقتلون وتكون أجسادهم طعمةً للسيوف ونهباً للأسنة ومرمى للسهام، بل ومن باب اللطف الحسيني كان ينصح كل من كان قريباً من أرض كربلاء، ولم يلتحق بركب العترة الطاهرة بقوله: “إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ولا تشهد واقعتنا فافعل فوا الله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا كان حقاً على الله عز وجل أن يكبه على منخريه في النار”.

لقد سجل أصحاب الحسين (ع) أروع الأمثلة، بما لم يفعله أي جيش مهما عرف بالإخلاص، فلكل صحابي منهم قصة في وصوله وتسلله إلى ربى الطف؛ فقد كان الجيش الأموي يحاصر كربلاء، وجواسيسه يراقبون ويمنعون تحركات وصول الأنصار. لكن الأمر كان واضحاً، فكل من التحق بمعسكر الحسين كان تحركه بمحض إرادته، وهو يسعى إلى نيل الشهادة من تلقاء نفسه. فمن المعلوم تاريخياً أن مسلم بن عوسجة وهو زعيم قبيلته، وحبيب بن مظاهر الأسدي، اختفيا أثناء المداهمات بعد استشهاد مسلم بن عقيل مباشرةً حتى يظهروا فجأةً للالتحاق بركب الإمام في كربلاء. ومعلوم أيضاً أن هناك من الأنصار من منعه عن نصرة الإمام مانع جسدي، فقصة الكفيف عبدالله بن عفيف الأزدي قصة عظيمه ودرسٌ للأجيال، فبعد استشهاد الإمام مباشرةً صعد ابن زياد منبر مسجد الكوفة وقال: “الحمد الذي قتل الكذاب ابن الكذاب” (يقصد الحسين بن علي)، فما زاد على هذا الكلام شيئاً. فقام له عبدالله بن عفيف وكان من الزهاد وقد فقد عينه اليسرى يوم الجمل والأخرى يوم صفين، وردً عليه: “إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه، تقتلون الذرية الطاهرة التي أذهب الله عنهم الرجس وتزعم أنك على دين الإسلام؟”. فقامت الشرطة ليأخذوه فقامت الأشراف من الأزد (وهم بنو عمومته) فخلصوه من أيدي الجلاوزة. فذهبوا بعد ذلك إلى منزله واقتحموه فصاحت ابنته: أتاك القوم من حيث تحذر، فقال لها ناوليني سيفي؛ فجعل يذب عن نفسه وابنته تقول له: ليتني كنت رجلاً أذب بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة. ثم تقول له ابنته: أتاك القوم من جهة كذا وهو يدور بسيفه، ويقول: “أقسم لو يفتح لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري”، حتى تمكن الشرطة منه فضربت عنقه وصلب في السبخة بالكوفة عليه رضوان الله. وهو ما يذكرنا بإعجاب معاوية من وفاء أصحاب الإمام علي (ع) بعد شهادته رغم الترغيب والترهيب الذي مارسه ضدهم حين قال: “لوفاؤكم له بعد مماته أعجب من طاعتكم له في حياته”.

ومن أهم ما تميّز به صحابة الحسين، أنهم كانوا على بصيرة تامة من أمرهم، وعلى درجة عالية من التفقه والمعرفة والعلم. وقد نقل أرباب المقاتل قول قائد الجيش الأموي مخاطباً جنوده: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر. و”فرسان المصر” مرتبط بظاهرة اجتماعية في تلك الفترة، وهي الفروسية والقدرة القتالية العالية التي لها صلة بالمكانة الاجتماعية المرموقة.

مشهد ليلة العاشر يعكس انسجام صفتين في مسلكيات الأصحاب (البصيرة والعشق). ذلك العشق والتعلق بالقائد وأهداف الرسالة السامية التي يحاربون من أجلها إلى درجة عدم الشعور بالألم أثناء القتال. والدليل على هذا العشق أنه لم تمر ليلة على صحابة الإمام أسعد من تلك الليلة، حتى أن الطلاقة والطمأنينة كانت باديةً على وجوههم المشرقة، يمازحون بعضهم بعضاً، استبشاراً واستخفافاً بالموت. فقد أخذ بُرير بن خضير الهمداني يضاحك عبدالرحمن بن عبد ربه الأنصاري فقال له: دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل؟ فقال له برير: والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكنني مستبشر بما نحن لاقون. وأقبل حبيب بن مظاهر الأسدي على يزيد بن الحصين الهمداني ضاحكاً، فقال له: ما هذه ساعة ضحك! فقال له حبيب: فأي موضع أحق من هذا السرور؟ والله ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء الطغام بسيوفهم فنعانق الحور العين.

أما نافع بن هلال البجلي فقد قضى شطر ليله في كتابة اسمه على سهام نبله إمعاناً في طلب المثوبة والأجر، وإمعاناً في السخرية من الخطر. وبرز عابس بن شبيب الشاكري (وكان أشجع الناس) وقد نزع درعه، فقيل له: أجننت يا عابس؟ قال: حب الحسين أجنّني. وجاء النداء من معسكر الأعداء هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب. لا يخرجن إليه أحد منكم. وقال أحدهم لزعيم من جيش بني أمية: ويحك أقتلتم ذرية رسول الله (ص)؟ قال: لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا. لقد ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على العسكر بحذافيره.

ولعل أروع وصف يجسد حقيقة ولاء وانتماء الأصحاب وتوهجهم الذاتي في محبة قائدهم، ما قاله الإمام الحسين في محاورته مع أخته زينب (ع) عندما سألته: هل استعلمت من أصحابك نياتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنة! فأجاب الحسين: “والله لقد لهزتهم وبلوتهم، فيما فيهم إلا الأقعس الأشوس... يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه”.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/930998.html