صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4433 | الأحد 26 أكتوبر 2014م الموافق 21 ذي القعدة 1444هـ

لماذا يجب ألا يسقط العالم الجيش العراقي من حساباته؟

الكاتب: مايكل أوهانلو - .

في العاشر من سبتمبر/ أيلول، حدّد الرئيس الأميركي باراك أوباما خطوط استراتيجيته العامة للتصدي للحركة القاعدية التي بالغت فأطلقت على نفسها «الدولة الاسلامية». وأخذ الرئيس على عاتقه هزيمتها والقضاء عليها في نهاية الأمر.

كيف تسير هذه الحملة؟ وما هي احتمالات النجاح في الأشهر القليلة والسنوات المقبلة؟ وهل هي مبشّرة في العراق وسورية؟

إجابتي على هذه الأسئلة هي: نعم بتحفظ، خصوصاً بالنسبة إلى العراق (فالاستراتيجية الخاصة بسورية غير مكتملة وسيستغرق تطويرها وقتاً أطول). لماذا؟

ما حدث هذا الربيع أن الجيش العراقي لم يتعرض للهزيمة على أيدي تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام بل قرّر ألا يحارب. ومن خلال عملية إعادة بناء سليمة - وهو ما يستلزم مساعدة من الولايات المتحدة - يمكنه أن يستعيد حيويته وقدراته ويتجه للهجوم.

قبل شرح الكيفية التي يتحقق بها ذلك من المهم التسليم بخبرين طيبين. الأول أن القوة الجوية الأميركية ساعدت بنجاح في الدفاع عن كردستان العراق في وجه هجمات الدولة الاسلامية في العراق والشام هذا الصيف. وثانياً أن إدارة أوباما شجّعت بشدة على تشكيل حكومة جديدة في بغداد برئاسة رئيس الوزراء حيدر العبادي. وتم إبعاد نوري المالكي المغالي في الانحياز للشيعة والذي كان سبباً في الشقاق.

وهذه خطوةٌ كبرى لأن حكم المالكي الطائفي كان إلى حد كبير السبب في فقدان السنة الثقة في بغداد. فقد ساعدت أفعاله الاستقطابية في إطلاق شرارة تفكك الجيش العراقي هذا الربيع عندما ذاب نصف قواته تقريباً أمام تقدم الدولة الاسلامية في العراق والشام للاستيلاء على مدن عراقية رئيسية.

وكان دافعو الضرائب الأميركيين على حق في التعجب كيف لقوة أمنية عراقية أسستها واشنطن بكلفة بلغت عشرات المليارات من الدولارات أن تبدي هذه المقاومة الضعيفة مع تعرض مدن عراقية رئيسية للاجتياح في الأشهر الأخيرة. ولهم الحق أن يغضبوا.

ومع ذلك فما من سبب يذكر يدعونا للاعتقاد أن الجيش الذي دربناه وزودناه بالعتاد لم يكن يتمتع بالكفاءة المهنية أو كان عاجزاً عن القتال. فقد اختار ببساطة ألا يحارب.

والسبب يرجع في الأساس إلى عنصرين. الأول أن القيادة العسكرية كانت في غاية السوء. فكان المالكي يتعامل مع مناصب الجيش والشرطة وكأنها مكافآت للموالين له وأحبابه. وقد غير فعلياً كل القادة الذين دربهم الجيش الأميركي ورعاهم من 2003 إلى 2011.

ثانياً أن قطاعات أخرى من الجيش والشرطة بلغت من الاستياء من طائفية قياداتها ما جعلها تقرر ألا تحارب. فلم يكن لديها إيمانٌ بالقائد العام أو حتى البلد الذي كان يطلب منهم المجازفة بأرواحهم من أجله. ومع حل الجيش بدرجة كبيرة فإن إعادة تكوينه تصبح مهمة هائلة. كذلك فإن استعادة إيمان السنة بالدولة العراقية سيتطلب جهداً كبيراً.

ومازال هناك المزيد من العقبات. وما تحقق هذا الصيف هو الجزء السهل. فالدفاع عن كردستان أبسط على الدوام من الناحية العسكرية من استعادة المناطق العربية السنية في العراق. ولم تكن إزاحة المالكي سوى خطوة أولى ضرورية صوب أي إمكانية للنجاح في المستقبل لا غاية في حد ذاتها.

وقد وصل العراق الآن إلى طريق مسدود. والمالكي الذي مازال يلعب دوراً قوياً، مستمر في إعاقة إصلاحات مطلوبة مثل تكوين حرس وطني عراقي يسمح بتجنيد السنة (وغيرهم)، وتدريبهم محلياً وخوض القتال دفاعاً عن مدنهم. وهذا الحرس الوطني ضروري لكنه يظل فكرة نظرية فقط لأن التشريع اللازم لإصدار الأمر به معطل في البرلمان. كما أن الدولة الاسلامية في العراق والشام مازالت تحقق مكاسب تكتيكية في محافظة الأنبار في قلب الأراضي السنية بالعراق.

ولذا أين نتجه من هنا؟ الأمر لا يحتاج زيادة في أعداد القوات الأميركية كما أن هذا لا معنى له. فواشنطن بحاجةٍ إلى مساعدة العراقيين على إعادة بناء قواتهم الأمنية حتى يستطيعوا في النهاية أن يبدأوا استراتيجية «زيادة القوات» الخاصة بهم وتحرير مدن الشمال الغربي والمدن التي يسيطر عليها الآن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. ويمكن للقوة الجوية الأميركية بل وربما القوات الخاصة وعدد صغير من فرق التوجيه الأميركية التي تخرج لساحة المعركة مع الوحدات العراقية، أن تساعد إلى حد ما. لكن على عاتق القوات العراقية يقع الجهد البري الرئيسي بما في ذلك الجيش بعد إعادة بنائه والحرس الوطني الجديد.

ولأن العراق لديه بالفعل عدة مئات من الآلاف من رجال الجيش والشرطة الذين تدرّبوا في الآونة الأخيرة، فإن المواد الخام اللازمة لذلك موجودة. لكن تشكيل هذه الأرصدة لتصبح قدرة قتالية يتطلب الكثير. وبصفة خاصة: نحن بحاجة لإعادة تدريب نواة الجيش العراقي لأنه يتعين إبدال الكثير من القادة وإعادة تشكيل الكثير من القوات لتصبح وحدات فعالة.

وسنحتاج لأن نساعد العراقيين لا في التدريب فحسب، بل في تجنيد وتكوين وحدات الحرس الوطني الجديدة ما أن يستكملوا تسوية المسائل السياسية التي ستجعل الفكرة جذابة للقوى السياسية الرئيسية.

ونحن بحاجة لأن نساعد العراقيين على وضع خطة لحملة من أجل استخدام هذه القدرات بطريقة مرتبة وواقعية لاستعادة المناطق الرئيسية من الدولة الاسلامية في العراق والشام.

ومن المهم أن تكون الولايات المتحدة على استعدادٍ لأداء دور القابلة هنا. فالعراقيون أصابهم ما أصابهم من الطائفية وأصبحوا الآن يرتابون ارتياباً شديداً كلٌّ في الآخر، لدرجة يتعذر معها تحقيق ذلك في إطار زمني معقول دون مساعدة أميركية. وقد كوّن كثير من أفراد الجيش الأميركي والدبلوماسيين الأميركيين علاقات مع العراقيين خلال العقد الأخير، ويمكنهم أن يقدّموا لا الخبرات المطلوبة فحسب بل العلاقات الشخصية اللازمة أيضاً. ويمكن الاستفادة في ذلك من تشكيل مبشر لحكومة عراقية جديدة بما يحقق في الواقع صالح البلاد.

ولن يتطلب إنجاز ذلك عدداً ضخماً من القوات الأميركية، لكن طبيعة التدريب المركزي وتقديم المشورة والتوجيه في الميدان التي يتطلبها مثل هذا النهج قد تحتم نشر نحو عشرة آلاف جندي ارتفاعاً من نحو 2000 جندي يعملون في العراق الآن. ولن تقدّم هذه القوات الإضافية فرق المشورة والتوجيه في الميدان فحسب مع القوة الجوية، بل ستقدّم الدعم اللوجيستي والطبي، وكذلك الاستخبارات.

وتدرك الولايات المتحدة كيف لها أن تحقق ما يتعين إنجازه في العراق. والعراقيون يعلمون أنهم بحاجةٍ لذلك. ورغم كل خيبات الأمل وانفطار القلب على هذا العقد من الزمان، فإنّ احتمالات بذل جهد مشترك أميركي عراقي ناجح لهزيمة هذه المنظمة الفظيعة مبشّرة وواقعية جداً. غير أن واشنطن بحاجةٍ إلى الابتعاد عن الهضبة التي وقف عليها العبادي وأوباما، وأن تدفع الاستراتيجية للمستوى التالي.

وبوسعنا أن نتحلى بالصبر في تحقيق نتائج فعلية في ساحة المعركة، لكن لا يجب أيضاً إضاعة الوقت للبدء في تقديم إسهاماتنا في استعدادات العراق للمعركة التي تلوح في الأفق.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/931469.html