صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4475 | الأحد 07 ديسمبر 2014م الموافق 06 رجب 1444هـ

لا يموت الناس بالأمل... يموتون باليأس

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

يُظلَمُ الأمل مرتين؛ مرة بادّعاء اليائس أنه أحد أبناء الأمل؛ ومرة بنوم كُثُرٍ على واقعهم، في انتظار أن تتدخَّل السماء أو المصادفة، في تفاصيل تغيير ذلك الواقع؛ من دون أن يكلِّفوا أنفسهم إعادة تحديث حواسِّهم وأدوارهم ومبادراتهم ومواقفهم وطاقاتهم؛ لا برامج حواسيبهم فقط؛ تلك التي يحرصون على مراعاة تغيُّراتها والتحوُّلات!

يُظلَم الأمل بالغربة التي تحاصره في حشْرٍ من المحتضرين، والغرباء على الطاقات الخلّاقة التي هي في مكان ما هناك لدى الإنسان؛ وجبروت تحدّيه لكل ما يعترضه؛ ذلك وهو في الصحيح من معنى إنسانيته، لا «عَبَطه» وبلادته وتواكله وانهزامه واستعداده لأن يكون مُرْتَهناً بوعي أو من دون وعي؛ لأطراف تحدِّد دوره في هذا الوجود.

نظلم الأمل أكثر، حين نكون منبع يأس لمن حولنا.نريد لهم أن يصابوا بما أُصبْنا به، ولن يهنأ لنا عيش ما لم نرَهُمْ في الخريف من قدرتهم على المواجهة.

الأمل ليس حبّة أسبرين، أو كبسولة للحفاظ على توازن الضغط والسكّري، نبتلعها لنأوي إلى النوم مرتهنين إلى ذلك العلاج، من دون أن نصبح نهْبَاً لاجتياح تلك الأمراض أوقاتنا، وتنغيص حياتنا.

نظلم الأمل أكثر وأكثر، حين نفشل بالأمل القليل الذي يسكننا، في توسيع دائرته، ومحاولة تعميمه على من حولنا، أولئك الذين تكسرهم أضعف المواقف، قبل أقواها، وأصغرها قبل أكبرها؛ فتتعطّل مداركهم، ويغيبون في مجهول مصائرهم التي ارتضوا؛ شاؤوا أم أبوا.

الأمل الذي لا يتحوّل إلى عدوى جميلة، مع الأخذ بالأسباب، والسعي والبحث عن البدائل - ساعة المغاليق - التي لن تنعدم، ومعرفة الإنسان للحدود الجبّارة التي يمكن أن يبلغها، لا يعدو كونه استئثاراً لن يغني صاحبه بمعزل عن الناس، كمن يملك كنوز الأرض في جزيرة معزولة لا رابط يجمعه مع خارج ذلك المحيط.

الآملون وحدهم، في جزر معزولة؛ ما لم يفعّلوا الأمل بإمداد الناس ببعض سحْره، وقدرته على إحداث الفارق في طبيعة الحركة والمبادرة، وتكرار أن يكون الأمل ماثلاً بقدرته على إنتاج واقع أجمل لهم، من خلال حاضر يتعلّمون من أخطائه؛ ليجتازوا - بما ينجزون ويحقِّقون - إلى حدود المستقبل.

وفي الجانب الآخر، ثمة من لا يريد لذلك الأمل أن يشيع بين الناس ويمتدّ؛ وخصوصاً من طرف أولئك الذين لن نبالغ فيما لو وصفْنَاهم بـ «وكلاء اليأس»، والدّالين عليه، مّمن يريدون للبشر من حولهم أن يكونوا متخبّطين، وعاجزين، ومنشدّين، ويصِلون إلى مرحلة الإيمان بألاَّ قدرة لهم على مواجهة أعباء الحياة وتحدياتها والتجاوزات من دون الارتهان إلى «الوكلاء» أولئك.

ولا يحدث ذلك من قِبل أولئك، إلا وهم في الاستواء من فهم المزاج العام، وتحقيق أكبر قدر من إنجاز الإخضاع وتعميم اليأس الذي من خلاله يصلون إلى مرحلة لا يحتاجون فيها إلى الأمل؛ ماداموا مهيمنين على الأمور، وبأيديهم أدوات ومقاليد السيطرة.

وهنالك من يُصرُّ على أن يكرِّس الوهم باعتباره أملاً، ويعلم أنه أقصر الطرق إلى صفر القيمة والإنجاز، وذلك هو ما يتحرَّاه ويبتغي، وسْط بيئة بشرها إما عالة على المكان نفسه؛ وإما أن أسباب الهيمنة عليهم أوصلتْهم إلى قناعة بألاَّ خيار لهم سوى أن يكونوا على تصالح مع الوهم والذين يتعهّدونه.

ثم إن الأمل نفسه يعرف الذين ينتخبونه عن إيمان وثقة، ويعرف أيضاً الذين ينتخبهم، وبمعنى أدق، يعرف الذين لا يحْيَوْن من دونه، ويظلُّون على صلة به؛ لأنهم قادرون ومؤهلون ويمتلكون من أسباب القوة، واستعادة السيطرة على هزائمهم والاحباطات ما يمكّنهم من قلْبِ المعادلات وإرباكها، وموازين القوى وشلّ حركتها وتعريتها.

وحتى بالنظر إلى الإفراط في الأمل؛ لا خيبات تُسْقطُ أصحابها بالضربة القاضية، بالدرجة التي يسقط فيها اليائسون قبل أن تقترب منهم تلك الضربة، وهم في الأساس ليسوا في حاجة إليها؛ لأنهم خارج التغطية! وشتّان بين الوهم والإفراط في الأمل؛ ففي الأول لا شيء من أمل يحيي الذين هم من رعاياه؛ وفي الثاني بعض منه يُبقي المتمسكين به أحياء ومثابرين؛ وإن اندفعوا بالإفراط فيه؛ لكن امتصاص الخيبة فيما لو حدثت لن تكون على تلك الدرجة من السوء والتهديد؛ ماداموا في سباق مع تصحيح المسارات؛ ومنح أبناء الأمل من الحياة ما يستحقونه من قدرة على اختبار روعة الإنجاز، والانعتاق من الارتهان للفشل والذين يزرعون ألغامه.

لا يموت الناس بالأمل... يموتون باليأس! ولنكن أكثر دقة فيما نلحظ ونعاين، وما هو سائد في الممارسة: يموت الناس بوهم الأمل، وفي المحصّلة: باليأس!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/942867.html