صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4476 | الإثنين 08 ديسمبر 2014م الموافق 08 ذي الحجة 1445هـ

حوار المنامة: الحرب على الثيوقراطيات

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

انتهت منذ يومين أعمال الدورة العاشرة لحوار المنامة؛ حوار دشنته مملكة البحرين منذ العام 2004 وامتد من دون انقطاع على مدى عقد من الزمن من منطلق قناعة عاهل البلاد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة «بأن الحوار الواسع هو الوسيلة الأنجع في التعزيز والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة»، على حدّ قول جلالته في كلمة الترحيب بضيوف البحرين خلال هذا الملتقى العالمي.

وقد مثلت الحرب على الجماعات الإرهابية أحد أهمّ محاور أعمال هذا المنتدى، إضافة إلى محاور أخرى ذات علاقة لا تقل أهمية عن محاربة الفكر الإرهابي المتطرّف. غير أن ّ كلمة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في افتتاح منتدى حوار المنامة، مثلت توجيهاً سديداً للبحث عميقاً في موضوع الجماعات الإرهابية، حيث دعا إلى «التخلص من هذا المصطلح (الإرهاب) لأنه مضلل بعض الشيء»، ذلك أنّ الإرهاب، بحسب رأيه، «مجرد أداة يتم استخدامها» واعتبر سموّه أننا «لا نحارب إرهابيين فقط وإنما نحارب ثيوقراطيين». وانتهى بالدعوة إلى «أن نحذف مصطلح «الحرب على الإرهاب» والتركيز على التهديد الحقيقي الذي هو انتشار هذه الثيوقراطيات الشريرة،»، وأن «نحمّل المسئولية كل أولئك الذين يضعون أنفسهم فوق البشر ويدّعون أن لديهم تكليفاً إلهياً في التحكم بالبشر».

إنّ هذا المنظور الجديد، الذي يدعو سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة إلى النظر من خلاله إلى موضوع الإرهاب يستند إلى قراءة عميقة في حقيقة هذه الجماعات: قراءة تستند إلى حقائق مؤلمة وأرقام مفزعة أبانت عنها معاهد الدراسات العربية والغربية؛ ولعل آخرها التقرير الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام بخصوص قتلى التشدد للعام 2013، والذي أكّد على أنّ «عدد الأشخاص الذين قتلوا في هجمات لمتشددين في جميع أنحاء العالم ارتفع بنسبة أكثر من 60 في المئة العام الماضي (2013م) ليصل إلى قرابة 18 ألف شخص وهو رقم قياسي، وأنّ هذا الرقم قد يرتفع في 2014 بسبب تفاقم الصراعات في الشرق الأوسط ونيجيريا»، وأنّ غالبية قتلى هذا التشدد الديني قد سقطوا في العراق وسورية وأفغانستان ونيجيريا بحكم نشاط الجماعات الدينية المتشددة في هذه البلدان.

إن هذه الأرقام المفزعة والطرائق الغريبة في القتل التي يقع التفنن في إخراجها وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لا تمت بصلة إلى الأخلاق الإسلامية في التعامل مع الأسرى، تؤكد أن هذه الجماعات تحمل فكراً ثيوقراطياً يرى نفسه فوق الجميع، لأنه يعتبر نفسه حاكماً بأمر الله وظلاً له على الأرض.

وإنّ الناظر إلى التطرف والإرهاب باسم الدين الإسلامي يعتبره الكثيرون قد بلغ في العقد الأخير صورته الأسوأ في تاريخ التشدد الإسلامي، ويكاد يتفق معظم الدارسين لقضايا الإرهاب والجماعات المتشددة أن محاربة هذه الكيانات الأخطبوطية ستطول وأن الحل العسكري للقضاء عليها لن يكون في المدى الزمني القريب بل قد يمتد لسنوات أو لعقود.

غير أن الناظر بدقة إلى التعامل الدولي مع هذه الظاهرة يلحظ من دون عناء عدم الاتفاق حول مفهوم الإرهاب ومن ثم عدم الاتفاق حول طريقة معالجته، ولعل حوار المنامة هو وسيلة لإيجاد رؤية دولية موحدة لمحاربة الإرهاب. وعليه وجب التفكير في استراتيجية أخرى للحيلولة دون تفشي هذا الفكر التكفيري الذي يؤدي إلى التعامل العنيف مع الآخر المخالف باسم الجهاد حيناً والدفاع عن النفس حيناً آخر والضربات الوقائية طوراً آخر. وقد اعتبر سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في الكلمة ذاتها بمناسبة افتتاح حوار المنامة في نسخته العاشرة أنّه «يجب علينا في البداية أن نجمع السياسات العسكرية والاجتماعية والسياسية ولربما الاقتصادية على نحو شامل لمكافحة هذا الخطر». وأضاف:»يجب علينا أن نستخدم كل الموارد».

ولعل من أهم هذه الموارد التعليم والإعلام والثقافة؛ إذْ إنّ محاربة الفكر المتطرف يكون من خلال التعليم وتعديل المناهج الدراسية وتطويرها بحيث تساهم في نشر قيم التسامح والعيش المشترك والمواطنة العالمية وزيادة الوعي بين الأجيال المتعاقبة بمخاطر التطرف والثيوقراطية؛ ذلك أن الفكر المتطرف أخطر بكثير من تمويل الإرهاب، بل إن السكوت عن أسباب نشأة هذا الفكر الثيوقراطي المتطرف أكبر داعم لهذا النهج الغريب عن ديننا، وعليه يصبح من الضروري حشد كل الموارد للتصدي لهذا الفكر بدءاًَ بالعائلة، إذْ على الآباء مراقبة أبنائهم وتواصلهم الإلكتروني وعلاقاتهم داخل بلادهم وخارجها حتى لا نتفاجأ كما حصل في بلدان كثيرة بوجود أولادنا على مرمى النار حيث لا عودة.

كما أن الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية بإمكانها وفق خطة استراتيجية ثنائية الأبعاد أن تسهم، ولو على المدى البعيد، في استئصال هذا الفكر؛ حيث يركز البعد الأول على التنفير من هذه الأفكار بإبراز مساوئها وأضرارها، ويركز البعد الثاني من الاستراتيجية على الترغيب في قيم التسامح والتعايش والمواطنة. هذا من دون أن ننسى دور الأنظمة السياسية العربية في مزيد من إحلال العدالة الاجتماعية والحرية السياسية بين أفراد المجتمع حتى لا يكون نقيضها سبباً متجدداً في نشوء هذا الفكر المتطرف.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/943166.html