صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4484 | الثلثاء 16 ديسمبر 2014م الموافق 14 ذي القعدة 1440هـ

حب الوطن في الدفاع عن بيئته

دعوة بيئية في عيدنا الوطني: فلنحب وطننا أكثر... ولنعبّر عن الحب بحب

الكاتب: خولة المهندي - comments@alwasatnews.com

أمس هو العيد الوطني للبحرين. قالت إحدى الزميلات في العمل أمس الأول، وفي احتفال صغير: «منذ طفولتي وأنا أشعر بدفقات من الوطنية تجتاحني كلما اقترب تاريخ 16 ديسمبر، ولكن بعد أن بدأت العمل هنا معكم وتعرفت على مفاهيم جديدة، بات هذا الاجتياح ينتابني على الدوام وأشعر أنني أريد أن أقدم شيئاً للوطن في كل يوم». كلمات بسيطة عفوية ربما، ولكنها عميقة أيضاً في آن. أسماء (وهذا اسمها) كانت دائماً تحب البحرين ولكن الذي تعلمته معنا هو نظرة جديدة للتعبير عن ذلك الحب، وعمق في النظرة للعلاقة بين المحب والمحبوب.

الوطن ليس جماداً أصم أعمى يحتاج إلى الصراخ والتزمير والصخب وتلويث الهواء وتعطيل المرور كي نسمعه حبنا، بل هو كائن حي نابض ممعن في الإحساس والشفافية، يستشعر حبنا من خلال ابتسامات لطيفة من أعماق القلب فرحاً به، ومن خلال رشفات من الماء المتبقي في كؤوسنا نسقي بها نخيله العطش، نخيله العملاق الضارب في أعماقه رمزاً من رموزه الخالدة التي تحمل بين طياتها ذاكرة الوطن، ذاكرة البحرينيين... فكما قال جلالة الملك (النخلة رمز مشترك للبحرينيين جميعاً تجمعهم وتوحد جهودهم وتعاونهم على الخير وتحثهم على استمرار مسيرة الآباء والأجداد)، كل البحرينيين... بمختلف أعراقهم وألوانهم وثقافاتهم، نخيل البحرين التي تتحمل العطش وترمى بالحجر لتعطي أطيب التمر، تمور دلمون التي كانت تعد من أجود أنواع التمور، لأن مزارعي دلمون كانوا يدللون نخيلهم بشكل ملفت للنظر سجله التاريخ القديم واستشهد به ليمدح الدلال الذي تنعم به ملوك العراق القديم فقال: «يدللون ملوكهم كما يدلل الدلمونيون نخيلهم».

وطننا ملهم شاعري حساس لأنه اعتاد ترانيم بلابله البحرينية ذات الحلقات الصفراء حول عينيها السوداوين، واحترف الهدوء لينصت إلى أولى صيحات شرياص حوار في امحزورة والوكور وهو يفقس من بيضه لتقع عيناه على أجمل بحر بزرقته وعمقه وجسمه الشفاف الذي يفضح أسماك السبيطي والشعري والصافي التي تعيش فيه. وطني يترنم لأحاديث البحر، بحر الخليج العربي العريق في كل أحواله، في مده وجزره، وفي عمقه وضحالته، وعندما يتخذ جانباً شرقياً في سيمفونية خليج توبلي ومنغروفه المعجز وثرائه البيولوجي، الذي أنقذ فيه الدولفين الطفل التوبلاني، وأشبعت مراراً وتكراراً فيه أسراب الروبيان جوع الشابات التوبلانيات عندما تأخر رجالهن في البحر. وعندما يلتقي الشرق بالغرب، فإن وطني يطيب لسماع أسرار الأساطير التي يرويها «رأس البر» ، وحدّ «الذيب» الذي عبر من الزبارة إلى حوار في أوقات الجزر القصوى. وتدهش وطني قصص الشوق والأمل في النيوات والهيرات والفشوت وفي أعماق الكواكب التي شرب منها أكثر نواخذة البحر دهاء وعلماً في مواسم الغوص الكبير. وطني يطرق لتكتم الأمواج والقيعان على مشاهد اللحظات الأخيرة في سنة «الطبعة» عندما خسرت البحرين فلذات كبدها لتحل أعوام من الحزن قبل أن ينعم الوهاب على هذا البلد الطيب بنعمة النفط والسلوان ونعمة الأمل الجديد.

أحبك وطني، وحبي لنخيلك ودفاعي عنها هو حب لك، حب لله، حب للجمال، حب للخير، حب للعدالة والخير وحب لك ياوطن النخيل. أحب عيونك العذبة، أعشق الحنينية وأذوب في نوستالجيا عذاري ويسحرني ذكر الزمة وشتية ورية والساية وبوزيدان والدوبية وإن كنت في واقعي لم أشهد عز أي منها على الإطلاق، إلا أنني أراها في قلبي وروحي مع قصص سمعتها ممن حفرت في ذاكرته وكيانه... أراها في قصة «الرويعي» ملاك الماء الذي كان يسقي عطش الرفاعين ويصل إلى المنامة وهو يردد «ماي حنيني»، أسمع صوته يرن في أعماقي وأستشعر تعبه وقد قطع مسافات طويلة على سفينة البر والحضر «البطل الصامت»، وأبتسم أمام مقولته: «اللي يحصل له حنيني يشرب من عذاري؟» رداً على سؤالي عن سبب شراء الناس في المنامة للماء منه. الحنينية بها ذكريات أمي رحمها الله وجعل قبرها من رياض الجنة، وبها طفولة إخوتي، وقريباً منها ترقد أختي وأبي وأعزاء كثيرون رحمهم الله جميعاً بإذنه، كانت الحنينية تمثل جنة الله على الأرض لهم. أخبرني عمي حفظه الله وأطال عمره أن الحنينية كانت تغمرها الأمطار في مواسم السيول فلا يمكن لطفل الاقتراب من أطرافها، وحدثني عن أجمل أنواع الطيور المهاجرة وأوقات وصولها إلى الحنينية من كل عام وانتظار أطفال الرفاع لها وعن الكنارة العظيمة التي يؤمن الناس ببركتها... نعم، كانوا يصطادون الطيور، ولكن كل ما لديهم كان أفخاخاً بدائية... كان صيداً مستداماً لأن وسائل قتل الطيور وتدمير موائلها لم تكن معروفة أو متوافرة حينها ولأن كبار السن والأم والأخت الكبرى والخالة والعمة لم يكونوا ليسمحوا بالفجور في القتل والتنكيل بهذه المخلوقات الجميلة. كانوا يخافون الله وكانت الرحمة قيمة مهمة في حياتهم. كانت أمي رحمها الله تذكر أخي بأم «المدقي» الذي اصطاده وكيف أنها تبحث عنه الآن وتبكي، أو أن صغار «الفقاقة» خائفون الآن لأن الظلام سيحل وأمهم لم ترجع إليهم لتطعمهم وتحميهم. كان يرفض ويصر على أن الطير ملك له لأنه اصطاده بتعبه وجهده وذكائه، ولكن ما إن تبدأ الشمس في الغروب حتى يتسلل بهدوء ويطلق سراح الطيور ويرجع إلى أمي مبتسماً ويقول إنه جائع ويريد أن يتعشى. قيم الخير غرست فينا في كل شاردة وواردة ولم تكن البحرين الطيبة لترضى من أبنائها إلا أن يكونوا خيرين طيبين.

وطني يعلم أنه مهد الحضارات، وعندما يستمع إلينا، فهو يبحث عن الصدق وعن العلم وعن الحقيقة. يطربه ذكر جلجامش الذي أتى ليغوص في بحره بحثاً عن سر الخلود، ويفخر أن خير خلق الله مدح شعبه أمام الصحابة والسابقين وقال «دخلتموه طوعا»، ولا ينسى وطني أشعار «الغلام القتيل» الذي وصف أساطيل الغوص. ولا يفتأ وطني يذكر مهارة صناع النسيج والفخار وبيوت الوارش والجص وسعف النخيل. ويحتفظ وطني في ذاكرته بأسماء وأصوات وأفكار وصولات لبحرينيين بذلوا كل ما لديهم جهداً وفكراً وروحاً لأجله دون انتظار أي مقابل سوى مجده ورفعته.

وطني الذي تصله ابتسامتي ويستشعر افتتاني به يمسح على جبهة العامل الكادح الذي يبنيه بإخلاص وحب، عبر نسمات صغيرة لطيفة وعبر ماء عذب يتدفق من الأرض وعبر نبتات برية بديعة تملأ الصحراء حياة وبهاء مع كل قطرات قليلة تسقي ظمأ مواسم جفاف طويلة.

وطني أمٌّ تحب جميع أبنائها وتحزن كثيراً حين يسيء أحدهم إلى الآخر، فكما قال جلالة الملك (حلمت بوطن يحتضن كل أبنائه... ولن يضيق بأحد منهم يريد الخير للبحرين وأهله). وطني يفرح عندما نسامح ونتبع السيئة الحسنة وننصح في السر ونثني على المحسن في العلن ونفرج كرب المكروبين ونرفع الظلم عن المظلومين ونكفل اليتامى ونزيح هَمّ الأرامل والمعسرين ونشعر كبار السن بالتقدير وننظر للأطفال كل الأطفال على أنهم أبناؤنا وكل الأمهات على أنهن أمهاتنا. وطني لا يسعده حبس طائر ولا صيد سلحفاة ولا الإتجار في صغار البلابل ولا مطاردة أرانب برية ولا دهس نباتات فطرية ولا اقتلاع نخلة حية أو شجرة معمرة ولا تعطيش شجر اللوز والكنار ولا تخريب بقايا السيبان ولا تدمير ساحل ولا قتل شعاب مرجانية ولا رمي المخلفات في شوارعه وطرقاته ولا الإسراف في استهلاك موارده الطبيعية ولا تلويث هوائه وتربته ومائه ولا سرقة بيض طيوره المعششة في جزره ولا تلويث بحاره بأكياس النايلون والمصائد الأشباك التي تفتك بالحياة البحرية دون انقطاع لأن أحدنا تخلص من شباك الصيد برميها في البحر. وطني لا يرضى عن استخدام وسائل الصيد الجائرة التي تجرف قيعان البحار وتفتك بكل كائناته باستنزاف ودون تمييز أو رحمة. ويغضب وطني لانتهاك قانون الحزام الأخضر، ولعدم احترام المحميات البحرية والتعدي عليها، ويطمح لحماية المزيد من الموائل البحرية والبرية الهامة للتنوع الحيوي والحفاظ على الأنظمة الحيوية.

وطني أرض طيبة لا يخرج منها إلا الطيب، وماء مالح يغسل كل الآلام وكل الخطايا ليجعل منا بشراً أفضل ومواطنين أكثر صلاحاً وخيراً، أفراداً وجماعات ويذكرنا بالأمانة في إيصال إرث الأجداد للأحفاد، ووطني ماء زلال يزيدنا حلاوة وإحساساً بالجمال والفرحة ويذكرنا بتميزنا. فكما قال جلالة الملك (وفي ظل هذه المسيرة نشأ جيل جديد من القادة نثق بقدرته على مواصلة حمل الأمانة).

في عيدك يا وطني نتمنى أن يقدم كل منا عملاً جميلاً قيّماً للوطن، ويبادر بما من شأنه حماية بيئته والدفاع عن جماله وطبيعته. نتمنى أن نزرع ولا نقطع، أن نحسن ولا نسيء، أن نميط الأذى عن الطريق وألا نكون نحن الأذى، أن نصلح ولا نفسد، أن نحب ولا نحقد، أن نعطي ولا نمنع وأن نحسن في كل أعمالنا ابتغاء مرضاة الله مع دعوة من الأعماق أن يحفظ الله لنا وطننا الغالي البحرين وخليجنا العربي ووطننا العربي الكبير وسائر بلاد المسلمين.

كل عام وأنت بخير يا وطني الغالي.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/945313.html