صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4489 | الأحد 21 ديسمبر 2014م الموافق 06 شعبان 1441هـ

من الذي شوّه وأساء للإسلام؟

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

مرّت أمس الأحد، الثامن والعشرين من صفر، ذكرى رحيل نبي الرحمة (ص)، إلى الرفيق الأعلى، وأمتّه تمر بواحدةٍ من أحلك فترات التاريخ حلكة وسواداً، حيث يتعرّض الإسلام إلى تشويهٍ لم يسبق له مثيل عبر تاريخه الطويل.

في القرنين الأول والثاني الهجريين، تعرّض الإسلام إلى محن وفتن داخلية، وطغيانٍ للخلفاء الذين استبدوا بالحكم باسم الإسلام، ونصبوا أنفسهم ناطقين باسم السماء، حتى اعتبر المنصور العباسي نفسه «ظلّ الله في الأرض». وقبله فرض يزيد بن معاوية على الأمة الإسلامية مبايعته على أنهم عبيدٌ له. ولأن الاستبداد ليس حالة طبيعية مقبولة لدى البشر، تبرز حركات مناهضة للطغيان، بعضها سياسي وبعضها فكري، كنوع من المقاومة والاحتجاج.

في القرنين الأولين، شهدنا بروز الكثير من الثورات والحركات، بعضها قادها الشيعة ويمكن معرفتها بقراءة كتاب «مقاتل الطالبيين»، لأبي الفرج الأصفهاني؛ وبعضها قادها الخوارج مما ذكرته كتب تاريخية أخرى. أما من الناحية الفكرية فولد الاستبداد حركة مضادة للإسلام متمثلة في بعض الأفكار الإلحادية، وكان أصحابها يناقشون ويبثون أفكارهم حتى في موسم الحج، ويجادلون حتى أئمة الدين والشريعة. كان إعلان الإلحاد تحدياً وردّاً على ما أنتجه الاستبداد من واقع بائس تأباه النفس البشرية.

اليوم، يكثر الحديث عن انتشار موجةٍ إلحاديةٍ في العالم العربي بين الشباب، كرد فعل على ما أنتجته الحركات التكفيرية من عنف أعمى وأعمال قتل وبطش، وممارسات بلغت من التخلف إلى سبي النساء وبيعهن علانيةً في سوق النخاسة، وكل ذلك باسم الإسلام.

سيُذكر العام 2014 في التاريخ، باعتباره العام الذي شهد ما سُمّي «غزوة الموصل»، فهي حدثٌ انقلابيٌ حاسمٌ جداً. فالمعادلات الإقليمية والتحالفات التي سادت لأكثر من عقد، تغيّرت وانقلبت رأساً على عقب خلال أسبوع واحد. ومن دعموا وأمدّوا «داعش» بالمال والسلاح، واستقطبوا متطوعيها ومجاهديها من ثمانين دولة إلى محرقتي العراق والشام، وفتحوا لها معسكراتهم للتدريب، وأقيمت لها غرف عمليات على الحدود، كل ذاك اقتلعته الرياح في يومٍ عاصف.

صعود «داعش» بهذه الصورة السريعة، والنشوة التي أصابت جماعتها، دفعتها إلى إطلاق التهديدات في كل الاتجاهات. لقد ارتكبت أخطاء قاتلة جمة، تماماً كما فعل «الأخوان المسلمون» في مصر بمجرد وصولهم إلى السلطة. فمنذ الأسبوع الأول أخذت تهدّد السعودية والأردن وتتوعدهما بالغزو، وفي الأسبوع الثاني نشرت خارطتها السوداء للمنطقة، التي تضم الكويت إلى جانب العراق والشام. كل الحلفاء والمتعاطفين معها انقلبت عليهم، ودفعها الغرور والعنجهية إلى تهديد حتى حليفتهم تركيا في الشمال، وأخذت تتوعد رجب طيب أردوغان، أكبر المدافعين عن الأخوان المسلمين ومشروع الخلافة، بقطع رأسه بعدما اتهمته بأنه من كبار المنافقين.

العنف الذي مارسته ببشاعة، وتعمّدت نشره بالصوت والصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل إخضاع الناس عن طريق الرعب، ارتد عليها سلبياً، وقلّص ما تلقاه من دعم، وقلّل مساحة الحاضنة الاجتماعية التي ساعدتها في البداية في استتمام «غزوة الموصل» والتمدّد السريع في العراق.

ليس هناك شعب في العالم، عربياً كان أو أعجمياً، مسلماً أو كافراً، يمكن أن يقبل بأن يحكمه هواة متوحشون يحملون أسلحتهم فوق أكتافهم، ويهدّدون مخالفيهم بالتصفية على أتفه الأسباب. وليس هناك دولةٌ يمكن أن تقوم على يد جماعة ممن يمارسون القتل والسبي واستباحة الحرمات والمقدسات والاستخفاف بأرواح البشر. هؤلاء لا يملكون مشروعاً، ولا رؤية ولا هدفاً نبيلاً في الحياة، ولذلك فإن مصيرهم إلى زوال.

إن كل ما ارتكبه المغول والصليبيون والفرنسيون والبريطانيون من جرائم خلال قرون، وما أثاره المشكّكون في الإسلام، لم يبلغ معشار ما فعلته «داعش» وأضرابها من حركات تكفيرية، من تشويهٍ وإساءةٍ وتنفيرٍ من الإسلام خلال عام.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/946544.html