صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4489 | الأحد 21 ديسمبر 2014م الموافق 20 محرم 1441هـ

بَيْع الأسد وشراء سورية؟

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

للأخضر الإبراهيمي روايةٌ ودرايةٌ بسورية. في أمر الرواية، فإن أحداً في سورية قال له مرة: هل تعرف القبَّة (Dome)؟ هي قائمة على حَجَرَة في وسطها، فإذا ما أزِيلت تنهار القبَّة (بأكملها). في سورية فإن الحَجَرَة هو الرئيس، وهذا هو النظام الذي بناه حافظ الأسد.

في أمر الدِّراية، فإن الأخضر الإبراهيمي، الذي كان مبعوثاً أممياً وعربياً لحل الأزمة السورية قبل استقالته، يرى بأن بشار الأسد هو الحاكم الفعلي والحقيقي لسورية. لا يحصل أي شيء في بلاده دون أن يكون هو فيه. وهو على اتصال دائم ودراية كاملة بما يجري هناك.

الحقيقة، أن رواية الإبراهيمي ودرايته، تصلحان لأن أصدِّرَ بهما مقالي اليوم. فما يدور في كواليس الأزمة السورية كثيرٌ منه غث، وقليلٌ منه سمين. لكن الذي يظهر الآن، أن حلاً ربما تتم بلورته يقوم على تقاسم الدولة بصلاحياتها ما بين بشار الأسد وخصومه.

الأسد يبقى رئيساً للدولة بصلاحيات أقل، مع احتفاظه بوزارة الدفاع وثلاثة أجهزة أمنية، هي: المخابرات الجوية والأمن العسكري وأمن الدولة. بدورها تقوم المعارضة، بتشكيل حكومة بصلاحيات، على أن يُعاد كتابة الدستور، وتُجرَى انتخابات برلمانية.

ما يعنيني في هذا كله، الجهة التي تستطيع أن تفرض هذا الحل (المتوقَّع). وحسب الأخضر الإبراهيمي، فإن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال له، بأن أقصى ما تستطيع فعله موسكو، هو أن تُرغِم الرئيس الأسد على الذهاب إلى مائدة المفاوضات.

إذاً، مَنْ هي تلك الجهة (غير روسيا) التي تستطيع أن تفرض شيئاً على السوريين في مائدة التفاوض تلك؟! الحقيقة، أنه وحسب الإبراهيمي نفسه، فإن «لإيران كلمة مسموعة أكثر من روسيا». يدعم ذلك القول وهذه الفرضية الأحداث الجارية على الأرض السورية.

يجب أن يُعلَم أولاً أن النفوذ الإيراني في سورية ليس وليد اللحظة بل هو يمتد إلى العام 1982. لكن هذا النفوذ مرَّ بمرحلتيْن، الأولى حين بدأ الاعتماد أكثر على المتكأ الإيراني عوضاً عن الروسي بعد مجيء بشار الأسد إلى السلطة، ثم تعزَّز ذلك النفوذ الإيراني بعد اندلاع الأزمة في سورية عام 2011.

العلاقة بين البلدين تعتمد على مصالح صلبة جداً. السوريون يريدون دعماً مادياً (وبالتحديد النفط ومشتقاته) يَقِيهِم الهزات الاقتصادية. والإيرانيون يريدون جغرافيا، يطلّون من خلالها على البحر الأبيض المتوسط من شرقه، ويَلِجُون لبنان باتجاه «إسرائيل».

إذاً العلاقة هنا غير متوازنة. فالدعم الإيراني هو عبارة عن مساعدات «فورية الإنفاق». بمعنى أن الحاجة السورية إليها «ضرورية جداً» وهي قابلة للتجدُّد كونها مرتبطة بالحالة الريعية للدولة السورية، التي من خلالها يمكن استيعاب قدر من الحركة الاجتماعية.

قبل أيام، صرَّح «مسئول تجاري سوري كبير» من داخل دمشق لإحدى وكالات الأنباء العالمية قائلاً: «لو لم يكن الدعم الإيراني المستمر إلى الآن ما كنا نجونا من الأزمة». وحسب تقارير موثوقة فإنه وفي منتصف العام الماضي «منحت إيران سورية تسهيلات ائتمانية قدرها 3.6 مليار لشراء منتجات نفطية»، وخُصِّصَ «مليار دولار أخرى لشراء منتجات غير نفطية».

وحسب التقرير ذاته، فقد أفاد «مسئولان مصرفيان كبيران» بأن «إيران أودعت ما بين 500 مليون و750 مليون دولار في البنك المركزي السوري منذ أكثر من عام» استخدمتها دمشق «في الحفاظ على استقرار الليرة» التي «فقدت 70 في المئة من قيمتها» منذ بدء الأزمة.

وفيما خصَّ النفط فقد أشار تقرير «رويترز» نقلاً عن تجار سوريين بأن «أربع ناقلات إيرانية قامت بتفريغ شحنتها من منتجات البنزين في الشهرين الماضيين في موانئ سورية». فضلاً عن تسلم دمشق لـ «توربينات محطات الكهرباء» التي تضررت بفعل الحرب.

أمام ذلك الدعم السَّيَّال تحصل إيران على أرض وسماء سورية. قواعد وتواجد عسكري مباشر، وبالتالي دور محوري في القرار السياسي لدمشق، فضلاً عن الموانئ والحدود الفاصلة، وحتى الأنشطة الأهلية والثقافية. وهو ما يعني تواجداً «دسماً» بجوار محيط إقليمي ممتد.

ليس ذلك فحسب بل إن الدعم الاقتصادي الإيراني لدمشق يعزز من حضور إيران في دورة الاقتصاد السورية عبر نيلها حصصاً فيه. وحسب تصريح مسئول سوري: «الدعم الإيراني كان الأهم. وفي المقابل نعدهم بالمزيد والمزيد ونفتح لهم الأبواب أكثر فأكثر للاستثمار في سورية»، فضلاً عن حصول شركات إيرانية على أسهم نتاج دورها في عملية البناء ورصف الطرق ومعالجة البُنيَة التحتية.

هذه العلاقة اللامتوازنة جعلت طهران قادرة أكثر من غيرها في سورية. هنا، يأتي السؤال المهم: إذا كان بشار الأسد (وحسب رواية الإبراهيمي) هو بمثابة الحَجَرة التي تقع عليها القبَّة، وبانهياره تنهار تلك القبَّة فَمَنْ غير إيران (صاحبة ذلك النفوذ) قادر على نَظْم ذلك البناء الأعوج من جديد، لصالح دولة لا تلعب فيها الفردانية بل المؤسسات الدستورية؟

فإيران ورغم أن الدَّعم الذي تُقدمه لدمشق يتيح لها نفوذاً فريداً، لكنه أيضاً يجعلها في حالة استنزاف مع استمرار الأزمة السورية، فضلاً عن تضررها أصلاً بالعقوبات المفروضة عليها، وتراجع أسعار النفط، الذي تعتمد عليه إيران في رفد ميزانيتها إلى مستوى الثلث، وبالتالي أصبح بقاء الأسد عالةً على إيران مع وجود فرصة لها لتدوير السلطة.

باعتقادي أن طهران قد تعيد تطبيق السيناريو العراقي في سورية (عندما ساهمت في إزاحة نوري المالكي من رئاسة الوزراء) وإن بشكل آخر. بمعنى أنه ليس بالضرورة إزاحة الأسد ولكن شَطْر صلاحياته لتكون بينه وبين معارضيه، ضمن تسوية إقليمية ودولية، كما هو السيناريو الذي يتم تداوله بصمت، مع تقديم ضمانات لإيران بإبقاء جزء من مصالحها في سورية، وبالتالي فإن الصفقة تقوم على بيع الأسد وشراء سورية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/946545.html