صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4499 | الأربعاء 31 ديسمبر 2014م الموافق 14 رجب 1444هـ

هل هي عقدة الطريق... العلاج بالصوت؟

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

في الطريق ربما تُشغل عن الوصول؛ إذ كثيراً ما ينتهي الهدف به، ومتى ما انتهت الأهداف سيدخل أي منا في بطالة لا يضمن أن ينتصر عليها؛ وخصوصاً إذا كان محاصراً بمن يتعهّدون البطالة ويحرصون على توفير الرضاعة لها

- نحتاج إلى أن نعود إلى بعض الأفلام التسجيلية التي تُمرر لنا قيمة مكثفة، كثيراً ما تتلاشى من بين أيدينا في زحمة الحياة، واللهاث وراء الهمِّ ولو كان بسيطاً. ربما يحضر فيلم تم عرضه في العام 2003 في مهرجان منظمة العفو الدولية السينمائي الخامس في أمستردام. كان فيلم الافتتاح «ON/OFF» لسعد سلمان. عقدة الفيلم ليست غريبة، ولصيقة بكل من يتنفس ويسعى في الأرض: الطريق.

أن تسلك الطريق ففي توجّهك كله أن تَصِل. تختلف وتأتلف أحياناً. في الطرق موت يكمن تبعاً للبلدان التي رصفتها أو هكذا تركتها للاستواء بفعل المارّة عبر الزمن. وفيها بشارة حياة أحياناً. طرق في العراق وفي أفغانستان وفي مقديشو وفي وزيرستان وفي نيجيريا حيث «بوكو حرام»، وفي سورية قبل سنوات، تختلف تمام الاختلاف عن طرق ولو كانت ليلية في مدن مثل ستوكهولم وأمستردام وسيدني وحتى صنعاء مؤخراً.

في الفيلم مخيمات وذاكرة على موعد مع توالي الكوارث؛ فرح يختزل في أغنية حب، ومصرية تحديداً، الجبال المغروزة في استفزاز لا يخفي جمالها الأكيد، الصوت الجميل للسائق. في الصوت اختزال لكثير من التفاصيل، ما يُظن أنه جمال الوصول، تفاصيل الطريق؛ لن تعدم طريقة لاكتشاف المأزق في السياسة والتاريخ الذي يتلاعب بالبشر. لن تعدم اكتشاف العبث في التفاصيل، وأحياناً هو الغالب، وإن بدا منطقياً أحياناً. كثير من ذلك العبث يخضع لإعادة تدوير وتأهيل وتقديم باعتباره صورة ونسخة منقّحة للمنطق الذي يُراد ترويجه وتعميمه.

في الطريق أيضاً يمكن لصوت تحبه أن يمحو كل القسوة التي استوطنتك وكادت تكون جزءاً من ذاكرتك.

وفي الطريق ربما تُشغل عن الوصول؛ إذ كثيراً ما ينتهي الهدف به، ومتى ما انتهت الأهداف سيدخل أي منا في بطالة لا يضمن أن ينتصر عليها؛ وخصوصاً إذا كان محاصراً بمن يتعهّدون البطالة ويحرصون على توفير الرضاعة لها.

وبالعودة إلى المدن المتوحشة التي نعرف، وتلك التي في طريقها إلى التوحّش، والمدن التي على النقيض، يكمن الفارق بين الإنسان الذي يهمّه الحجر والأبراج والمصارف والأرصدة، وبين المدن التي تربّي الإنسان الذي هو رصيدها الحقيقي واحتياطها الفعلي من الثروات والأرصدة لمواجهة عجاف المجهول وصرامة المستقبل.

ليس هو صوت السائق وراء المقود في «ON/ OFF»، ليست الطريق التي تختزلها الذاكرة بالوصول؛ ليست أغنية عابرة للتحايل على الطريق؛ ليست الطبيعة الرابضة في استفزاز يبدو عابراً أيضاً. إنها كل ذلك في أوطان معظمها فيها من الطرق الوافر والرحب؛ ولكن الوصول وهو محفوف بالطمأنينة عبْرها يكاد يكون كسمِّ الخياط... يكاد يكون شحيحاً، شحّ الفرح الذي نكاد ننسى ملامحه.

لكن ليس بالضرورة أن يكون علاجاً في كل الطرق التي نعبر ونجتاز. ثمة طرق بقدرتها على استنزافك وتحويل مسارات تفكيرك، تتحوّل إلى بيت الداء، ولا مجال في هكذا مأزق للحديث عن دواء مصدره الصوت؛ وخصوصاً إذا كان حالماً في قارة من الكوابيس!

ستجد الطرق التي تتجنب المرور منها؛ أو التواجد أصلاً في الطرق المؤدية إليها، تلك التي تبدأ من مقديشو ولا تنتهي ببوابة معسكر اعتقال سري، حيث الجسد البشري موضوع تشريح واختبار وانتزاع روح قبل انتزاع اعترافات، في دول تتغنّى بالإنسان وتهرسه، وتمجّده في المناهج وأمام وسائل الإعلام، العالمية منها خصوصاً؛ وتجعله ممسحةً للأحذية، في بلاد ستجد فيها الطرق المؤدية إلى المسرح والأوبرا ومؤسسات حقوق الإنسان ولكنها لا تختلف في قليل أو كثير عن مسلخ للجلود الآدمية، وعلى رغم رخام أرصفتها والنوافير لا تختلف عما هو أكثر استدراجاً للمتاهة والموت الوافر في ما هو أتفه وأقسى من الربع الخالي!

في «ON/ OFF» لسعد سلمان، قدرتنا على خط طرقنا التي نريد، والوصول الذي لا نشغل أنفسنا بها؛ طالما أننا على انسجام معها. انسجامنا سابق على وصولنا، وفيه من المتعة ما يحفظ لنا التوازن الذي نحتاج. وفي الفيلم قيمة الصوت؛ ليس بالضرورة أن يكون صوت أغنية. كل صوت يحدث تغييراً وأثراً وإرباكاً للذين يحاولون إخماده وإسكاته هو أغنية ربما لا نلتفت إليها في ظل البطش والقمع ومحاولة محاصرتنا حتى في ما تبقى من فضاء شحيح.

في المحصّلة: إنها ليست عقدة الطريق فحسب. ليس العلاج بالصوت: إنهم الذين ذبحوا الأغنيات على الطريق وأهدروا فضاء الصوت!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/949155.html