صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4524 | الأحد 25 يناير 2015م الموافق 07 رجب 1444هـ

الحصار لن ينسيك اسمك والمدى

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

فكُّ الحصار الذي قد يأتيك من خارج الحدود؛ قد يكون واحداً من الأمور التي يُراد لها أن تكون أقداراً لا تستطيع الخروج عليها. هكذا يُريدون إيهامك، ولكنك ستجد طريقةً ما لتنتصر عليه؛ خصوصاً حين يكون الذي يفرض مثل ذلك الحصار، عابراً ولا مشيمة تربطه برحم الأرض.

الحصار ألاّ ترى مدىً من حولك. أن يُختزل فضاء الله في الحيِّز الذي تُدفع إليه دفعاً كي ترتهن روحك، وكل ما يدل عليك. أن تكون جزءاً من أدوات من فَرَضَه وما يملك.

الحصار ألاَّ تستطيع حتى الانتباه إلى أن كل ما اتسع من حولك، إنما وُجد ليتناسب مع الأرحب والأوسع في نفسك وروحك. أنت سيد الكائنات، وكل هذه الرحابة في الكون والوجود إنما خُلقا لتأكيد سيادتك. تأكيد امتداد رحابة الكون من رحابتك، والعكس صحيح. الحصار، يأتي مدفوعاً بغرور لا حد نهائياً له، وبحمْق أيضاً ليقرّر أنه المعنيُّ بحدود الفضاء والمدى الذي يجب أن تتحرك فيه!

كأنَّ من يريد حصارَك أن يجعلك أشلاء. أن يقطع صلتك بمحيطك، وكل الذي لك صلة به. لا أَمَامَ تعرفه ولا وراء. كأنك في قبرٍ مؤجَّل. أن تشعر بسقوطك من مواضع تحصُّنك. وذلك لم تثبت جدواه على مَرِّ التاريخ. أو على الأقل لم تثبت فاعليته وأثره النهائي في ما نعرف، وما وقفنا عليه من اليسير من السِيَر والتاريخ.

قد يُنهي حصار حركةً. قد يشتتها. قد ينجح في اجتثاثها في المكان عينه؛ لكنه لا، ولن يضمن ألاَّ تطلع وتباغت مُحاصرَها كما يباغت الورم الجسد المطمئن فيفتك به؛ مع فارق الأداء في خيار أن يعيش الناس أحراراً، وسرطان ينتهك اطمئنان المرء لعافيته وصحته وحيويته.

وفي استدعاء لا غنى عنه من مصدر إشراقة فضاء ومدى لغتنا العربية وفنها الأول (الشعر)، محمود درويش، نقف على تعاطيه مع جمالية حصار الحصار! نعم يمكن للحصار أن يُحاصرَ «حاصرْ حصارك بالجنون وبالجنون وبالجنون... ذهبَ الذين تحبهم، ذهبوا فإما أن تكونْ، أو لا تكونْ».

ولا شك أن للفضاء حماسةً لا ولن تتوافر، في حيِّز هو دون القبر، وإن كان على الأرض. حماسة أن تكون مشغولاً بالتفاصيل، وإن لم يُتَحْ لك الوقت الكافي تفرُّغاً لها؛ لكنك ستكون مطمئناً إلى أنها هناك، لم يمْسَسْهَا سوء التغيير والمصادرة والتسوير.

الفضاء الذي يشعرك بقيمة أن لك رأساً وجبهة خلقت كي تكون منشغلاً ومنهمكاً بالأعالي لا الحُفَر؛ وبلون السماء وزرقتها؛ والأهم، امتداد أهميتك وتكريمك من السماء، لا من الذي يقرّر ذات وباء ينتاب ما تبقى فيه من نَفَسٍ ونفْس ألاّ تكون، في القيمة التي لا يملك الأدنى من تلك الكينونة.

والأمامُ والوراءُ لا يحدِّده حصار مادام للمُحَاصَر أفقه الاحتياطي، بقدرته على الإمساك بالحبل السري لحياته ووصفة تلك الحياة التي لا سلطة لأحد؛ أياً كان أن يحدِّد مقاديرها ووجهتها، والطريقة والأسلوب اللذين يجب أن يكونا عليه.

وأشدُّ الحصار مضاضةً ذلك الذي ينالك من بيئتك الأولى من قِبَل من لا علاقة لهم بها. وإن كانت لهم علاقة، فلن تتعدّى حدود الأجْر على ذلك الفعل؛ تجرؤاً على السنن لتحقيق معاش زائل يحاصر أصحابه؛ وفي التفاتة إلى حقيقة مدى وفضاء يمكن لأولئك ادّعاء أنهم يملكونه ويسرحون ويمرحون فيه، فلن تجد الذي هو أدنى، في خرْم إبرة ليس لأنه لا يسعهم؛ بل لأنهم ليسوا أهلاً له؛ وأولئك هم الذين يظلون متوهِّمين بحصارهم المدفوع بألاّ مدى لك هناك!

واتكاء على استفزاز درويش تأنس هذه الكتابة بالاستشهاد؛ وهو يتحدث عن القنبلة الفراغية. النووية وهيروشيما. ألم يكن ذلك حصاراً ولكن بعد القيامة؟ هو كذلك، لكن ما يتبقى من الرماد هناك، ليس رماد الأبنية والشوارع؛ بل رماد ما تبقَّى من إرادة الضحايا في ذلك الحصار الجهنمي المُوجَّه على ارتفاع عشرات آلاف الأقدام، بوصفة موت سريع بالنسبة إلى مخترع جهنم تزن أطناناً.

«أتذكَّر من هيروشيما، المحاولة الأميركية لدفع هيروشيما إلى نسيان اسمها».

لم تنسَ هيروشيما اسمها. نهضتْ من رماد سبَّبتْه عقليات مختبرات الجحيم. لم تسقط هيروشيما بالحصار على ارتفاع آلاف الأقدام؛ بل حاصرت العالم بدءاً بالسوشي، وليس انتهاء بهذا الانضباط في التعامل مع الوقت؛ بحيث لاشك لديَّ، ولدى كثيرين، في أن ساعة «بيغ بن»، وتوقيت غرينتش لم يتم ضبطه إلا على انتظام الياباني بعد حصاره الذري!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/955831.html