صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4538 | الأحد 08 فبراير 2015م الموافق 23 جمادى الأولى 1445هـ

كأنك وحشٌ حين تحتاج إلى العاطفة

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

ثقيل هو الهواء في أوطان مُحاصرة سماؤها بالبارود والدخان. انتظار الصباح يخلو من الحماسة لانتفاء الفارق في الأوقات. الليل كما هو، والصباح لا شيء يدل عليه.

كأنها حيْرة العاطفة التي تُساق إلى غيابها؛ بل تغييبها؛ فيما العاطفة حضور وانتباه في أسمى ردود فعله. كيف للعالم أن يتنفَّس ويتمدَّد ويكشف عن عبقرية بشره بعيداً عن العاطفة؟ حين تختفي العاطفة يختفي العالم الحقيقي للإنسان. كأنَّ العاطفة هي الميزان الذي يحتاجه العالم حين يدخل في اضطرابه ويكاد لا يبرحه، ويصبح بطاقة التعريف به. العاطفة مفتاح إنسانية نعرفها، ومن دونها نحن أمام كُتَل من اللحم البشر لا غير.

ينتبه العالم على وقْع الصلف والقسوة وهيمنة الحديد على كل شيء. لا حكمة يُمكن لإنسان أن يتعلَّمها وسط هذه الحيرة والصدمات المتتالية. الصدمات تأخذك من حضورك إلى غياب لا شيء فيه يدل عليك!

لا ننتبه إلى نقصان إنسانيتنا إلا حين تتسلَّل العاطفة بعيداً عنَّا. حين تتوارى، ولا يملك سحرها القدرة على إخراجنا من أكثر من عتمة.

الأزمان تتغيَّر أيضاً حين يندر الإنسان الذي نعرف، بروحه وعاطفته وشعوره بألم الآخرين؛ بالتوازي مع شعوره بالألم الذي هو جزء من ملامحه وانتمائه أيضاً! تتغيَّر بعدم قدرتنا على التمييز بين الأمس والحاضر والغد الذي ننتظره. ننتظره بالأدوات والنفس والروح التي لن تجعله مختلفاً عمَّا مضى. لأن قدرتنا على إعادة إنتاج الخيبات، لا تترك لنا فرصة الانتباه إلى أننا خارج المعادلة والدور والموقع والقيمة والمعنى.

تفرغ هذه المنطقة من تاريخها الشبيه بالعَدم، مُتلمِّسة طريقها إلى حاضر لا تجد فيه إلا ممارسة الارتطام الأبدي. كأنها؛ بل هي في عمى انسجمت معه، وصار جزءاً من هويتها القومية! وفي الحديث عن المستقبل تكون المنطقة عرضةً للسخرية حتى من الأشياء قبل بشر العالم. لا مستقبل للذين لهم صفة الكهوف، وملامح الأقبية، وجفاف العاطفة.

تنحسر العاطفة ولا يبقى ماء ولو في الشحيح منه كي يدلَّنا على الجهات التي لا يباغتنا فيها التيه والأفخاخ. تنحسر لعدم قدرتها على الانسجام مع الحديد فينا. أرواحنا، كلامنا، واللغة التي نكتب بها من حديد. ومنذ متى تفتقت البلاغة عن الحديد؟ منذ متى عُرف البشر بمعزل عن تلك العاطفة؟

وما تبقَّى من المعنى الأخير لنا، ولهذه المنطقة يتحدَّد بالقدرة على الائتلاف، واستحضار العاطفة والإقامة فيها، تحصيناً للذات ولمروءتها الغائبة، وفعلها الشحيح، وثرثرتها التي هي اليوم بحجم الفراغ الذي يتسع بوجودنا في هذا العالم.

يسبق غضبنا القدرة على تأمُّل ما استفزَّنا. أن تكون بيننا وبينه مسافة لامتحان العذر، والنجاة من الارتجال، والنأي عن خسارة المعنى الكبير الذي يمكن لنا أن نثبِّته في أرض مائجة ورخْوة، علَّها تُصاب بشيء من ذلك الثبات.

وفي حيرة العاطفة، نجد أنفسنا اليوم أيضاً غير قادرين على تخطِّي الضجر بكل قدرته ومواهبه على تغييب؛ لا تحييد حضورنا في هذا العالم فحسب.

نسقط ولكن في المعنى الأخير المتبقِّي لنا، ذلك إذا بقي شيء منه، وسط أحلام هشَّة، وحنين في الذروة من تخلُّفه ولاجدواه.

- لا عار في أن تقدِّمك العاطفة إلى العالم. بانتفائها يكمن العار.

- قليلة هي المهالك من وراء العاطفة. كثيرة هي حين لا تحضر.

- العاطفيون نبلاء أسمى من الذين ورثوا مقاماتهم.

- تكاد العاطفة تكون طريقة احتجاج على هذه الوحشية التي يمتلئ بها الكوكب.

- العاطفيون لا يموتون، بقدرتهم على إصابة من حولهم بها.

- إذا كان لهذا العالم من سقف، فالأجدر به العاطفة.

- لن تكون عرضة للنسيان لدى الذين غمرتهم

بالعاطفة.

- العاطفة بعد زمن ستكون مستقبل النظر إليك.

- قليلون هم الذين لا ينظرون إلى العاطفة باعتبارها خطأ رحيماً.

- كل صاحب عاطفة شاعر، وليس كل شاعر صاحب عاطفة.

- بالعاطفة لا ترى طريقاً موصدة. من دونها، تبحث عن الطرق.

- كأنك وحش في هيئة إنسان حين تحتاج إلى العاطفة.

- خير لك أن تغادر هذا العالم مُتهَماً بالعاطفة على أن تتهم بالوحشية.

- إنما يتنزَّه المرء في عاطفته.

- في العاطفة حلْم من نوع آخر.

- من النادر أن تلتقي العاطفة، التعاسةَ.

- إنما تقتسم الضُرَّ بعاطفتك.

- هناك من يرى في العاطفة غواية. بل هي هدايتك.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/959956.html