صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4539 | الإثنين 09 فبراير 2015م الموافق 21 ذي القعدة 1445هـ

تونس تستكمل مسارها الانتقاليّ

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

بعد مخاض عسير، استطاعت تونس استكمال مراحل انتقالها الديمقراطي بمنح الثقة إلى حكومة منتخبة لمدة خمس سنوات؛ هذه الحكومة طال انتظارها حيث تشكّلت بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية (26 أكتوبر/ تشرين الأول 2014) التي فاز فيها حزب «حركة نداء تونس» بأغلبية غير مريحة لتكوين حكومة تنال ثقة البرلمان، ما اضطرّه إلى انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية حتى يكلّف رئيس الحزب الأغلبي شخصيةًً تكاد تكون توافقية (الحبيب الصيد)، ليشكّل حكومة وُصفت بأنها «ائتلافية»، توزّعت فيها الحقائب الوزارية على الأحزاب الممثلة في البرلمان بشكل يراعي حضورها وحجمها ووزنها النسبيّ. وهي حكومة وصفها رئيسها بأنها «حكومة وحدة وطنية» تمّ اختيار أعضائها على أساس نظافة اليد والكفاءة. وهو ما ضمن لهذه الحكومة ثقة نواب مجلس الشعب بنسبة قاربت 80% ما قد يجعل تأثير المعارضة على اختياراتها ضعيفاً جداً.

هكذا، تجاوزت تونس، بجهود نخبتها السياسية الجديدة والمخضرمة، مرحلة الانتقال الديمقراطي وراكمت بذلك في رصيدها تجربة سياسية فريدة لم تسلم بالكلية من الجراح والدماء وبعض أعمال الإرهاب، لكنّها مقارنةً بدول المنطقة التي مرّت بتجارب تغيير الحكم في السنوات الخمس الأخيرة، تعدّ تونس تجربة ناجحة بمقاييس عديدة.

أوّلاً من حيث حجم ما حصل في تونس؛ فهروب الرئيس المخلوع، بعد ثورةٍ عصفت برموز الفساد من أفراد أسرته والمقرّبين منهم، لم يكن بالأمر المتوقّع ولا بالهيّن، فقد وضعت إرادة الشعب أمام امتحانات عسيرة وهي تُقبِل على حياة سياسية جديدة بوجوه من شتّى المشارب الفكرية والسياسية، فكان لابد أن تُخطئ وتُصيب في اختياراتها السياسية وهي تختبر قيادات تدخل العمل السياسي العلنيّ ربّما لأوّل مرة في انتخابات أولى سنة 2011 وُصفت بأنها تاريخية، كونها تقع بشكل ديمقراطي شفّاف ونزيه لأوّل مرة في تاريخ تونس. ثمّ في انتخابات 2014 وُصِفت بأنها حاسمة لأنها عاقبت، إلى حدّ ما، مَن حَكم في المرحلة الأولى على أخطائه، ومِن ثمّة ترسّخت لدى التونسيين عادات ديمقراطية جديدة تعطي للسياسيين بقدر ما يقدّمون لشعبهم.

ثانياً وبالنظر إلى المحيط العربي وخصوصاً بالمقارنة مع ما كان يسمّى بدول الربيع العربيّ، استطاعت سفينة التجربة التونسية أن تتفادى السير في بحر متلاطم الأزمات دمّر سورية والعراق واليمن وليبيا. وعلى رغم صغر مساحتها وحداثة تجربتها الديمقراطية وقلة مواردها الاقتصادية، فإنّ تونس تجد نفسها اليوم في موقع عربي ريادي يؤهل تجربتها كي تكون أكثر قابليةً للحياة والنمو، لتجسّد البديل الممكن والخلاق عن بلدان «الجرح المفتوح»، حيث ترتفع وتيرة القتل في حرب استئصال عدميّة تدمّر كل شيء حولها.

ثالثاً وباعتبار ما ميّز موجة الربيع العربي من وصول الإسلاميين إلى الحكم في مصر وليبيا وتونس وعلى رأس بعض تيارات المعارضة في سورية وغيرها..، يمكن اعتبار إسلاميّي تونس حالة فريدة تميّز قادتُها بالحكمة وتغليب المصلحة الوطنية في ظرف حساس من تاريخ البلاد، فتنازلوا بضغوط داخلية عن الحكم أواخر العام 2013 لكن بشروط يضمنون معها استمرار المسار الانتقالي إلى غاية تحقيق مبتغاه (إتمام كتابة الدستور، انتخابات رئاسية وتشريعية)؛ والمشاركة بإيجابيةٍ في حوار التوافق الوطني الذي مثّل المنعرج في تونس خصوصاً بعد اغتيال الشهيد محمد البراهمي في يوليو/ تموز 2013. ومن ثمّة قدّمت حركة النهضة نفسها حزباً وطنياً مدنياً يؤمن بالديمقراطية لأكثر من مرّة، لا كما بعض الأحزاب الإسلامية؛ تؤمن بها للوصول إلى الحكم وتكفر بها بعد ذلك!

رابعاً، بالنظر إلى ما حققته النخبة السياسية والفكرية التونسية من جسرٍ للفجوة الافتراضية بين ما يمكن تسميته بـ «العلمانيين» و»الإسلاميين»؛ فها هم يجتمعون في حكومةٍ واحدةٍ ويتشاركون في تقرير مصير تونس، ويتحمّلون المسئولية معاً للخروج بالبلاد مما تردّت فيه من مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية وتنموية لا حصر لها في السنوات الأخيرة. نعم، آمن الجميع أنهم تونسيون في الجوهر مهما اختلف لَبوسهم، وآمن الجميع أن مصلحة الوطن تقتضي الوحدة الوطنية دون إقصاء. ولكن، هل هذا النجاح السياسيّ نهاية الطريق أم بدايته؟

لا شك أنه بداية البناء، فها هي المؤسسات الدائمة قد أُرسِيت، وها هي الملفات العالقة قد أُخرِجت من الأدراج ووُضعت على الطاولات... فماذا ينتظر حكومة الوحدة الوطنية؟

على رأس أولوياتها معالجة منوال التنمية الاقتصادية لمحاربة أسباب الثورة؛ فالبطالة وارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية وتباطؤ عجلة الإنتاج... تمثل جرحاً مفتوحاً لابد من التئامه بإصلاح حقيقي يستعيد معه ثقة المستثمرين الخارجيين والمحليين.

أما الملفّ الأمنيّ فهو، وبالتوازي مع الملف الاقتصاديّ الاجتماعيّ، من أوكد اهتمامات الحكومة، ذلك أنّ تهديدات الإرهابيين لاتزال تُشيع مناخاً من عدم الارتياح رغم ما أظهره الشعب التونسيّ من قوة وصلابة في مجابهة ظاهرة الإرهاب العَرَضيَّة بتونس. ولعلّ ثقة التونسيين في مؤسستهم الأمنية، بعدما لَحِقها من إصلاحات، يؤكّد قدرتهم على القضاء على الأعمال الإرهابية في مرحلة أولى، ثم القضاء على أسباب نشأة هذا الفكر من خلال انطلاق العمل على الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب.

إنّ تزامن المصادقة على هذه الحكومة الوليدة مع الذكرى الثانية لاغتيال الشهيد شكري بلعيد، يجعل الحكومة أمام ملف حسّاس، ألا وهو ملف شهداء الثورة والكشف عن ملابسات قتل عشرات المتظاهرين إبان الثورة، واغتيال معارضين سياسيين زمن حكم «الترويكا»، فضلاً عن استحقاقات جرحى الثورة. وبعبارةٍ أشمل ملف العدالة الانتقالية؛ فهل سيُكشَف الستار عن القتلة؟ وهل سيتحمل القضاء مسئوليته في معاقبة من خطّطوا لقتل المتظاهرين أواخر حكم ابن علي؟ وهل ستعرف حقيقة اغتيال البراهمي وبلعيد؟


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/960251.html