صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 4548 | الأربعاء 18 فبراير 2015م الموافق 07 رجب 1444هـ

الإمبراطوريات... الطغيان والفساد

الكاتب: جعفر الجمري - jaffar.aljamri@alwasatnews.com

كتب أستاذ التاريخ بجامعة هارفارد، نيال فيرغسون، «على رغم أن زمن الإمبراطوريات قد ولَّى، فقد تقفز عائدة».

تصنع الإمبراطوريات - من ضمن ما تصنعها - منابع الثروات، وسهولة شراء وترتيب الاتفاقات والولاءات. تمدُّد بكلفة أقل، وعوائد أكثر، وسهولة الوصول إلى الأهداف، أو تعبيد الطرق لها.

مرَّت أكثر من ذكرى ضُرب فيها أكثر من كبرياء وغرور لتلك الإمبراطوريات، القديمة منها، الرومانية، الفارسية، مروراً بالإمبراطورية الأموية - ويصح ذلك - التي لم تتمدَّد بالاتساع الذي وفرته ظروف لغريمتها الإمبراطورية العباسية، والإمبراطورية الأكثر امتداداً (المغولية)، والحديثة نوعاً ما، الإمبراطورية الروسية، الإمبراطورية البريطانية، فرنسا كان لها امتدادها أيضاً في الشرق والغرب. السلطنة العثمانية، حلم أدولف هتلر بإمبراطورية تلتهم أوروبا من أقصاها إلى أقصاها زحفاً على الشرق في خطوة ثانية، كل أولئك صاروا في مهبِّ الريح. الفساد والطغيان كانا من ضمن أسباب انهيار كل تلك الامبراطوريات.

لنقف على الأمر، ضمن مستوى الأفراد، سنراه لا يختلف كثيراً عن اشتراطات وأسباب وعوامل السقوط. في سؤال: مَنْ يحرس مَنْ؟ طرحته مجلة «فورين بوليسي»، في عددها لشهر سبتمبر/ أيلول 2006؛ أي بعد 5 سنوات من الذكرى الأولى لضرب كرامة أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ البشري، من حيث الموارد والطاقات والكفاءات وبلوغ العقل ذروته: الولايات المتحدة الأميركية، بعد استهداف رمزين للقوة والسطوة والتمدُّد: برجي التجارة العالمي، ومقر البنتاغون (وزارة الدفاع).

في الملف طرح السؤال سالف الذكر: مَنْ يحرس مَنْ؟ عرضت فيه المجلة لنماذج أربعة بعيداً عن الإمبراطوريات، وضمن حالات فساد فردي بين منظمات مُكلَّفة بمكافحة الفساد أساساً!

الأول هو المراقب العام في باراغوي، دانييل فريتيس فينتر. ما التهمة؟ الابتزاز؛ إذ كان فينتر مسئولاً عن تصفية الفساد. بدأت الصحافة تلحظ الممتلكات الواسعة والكبيرة التي كان ينتقيها. وبحلول العام 2000، وُجِّهت له تهمة استخدام التحقيقات حول الأخلاقيات المهنية لابتزاز المسئولين وأصحاب الأعمال. ولأن سلسلة الفساد متصلة، وعلى رغم إدانته من قبل محكمة دنيا، إلا أنه تجنّب دخول السجن باستئناف قضيته أمام المحكمة العليا، وكان حظه قوياً، وكان الشخص الوحيد الذي بُرِّئ في محاكمة فساد أخرى في يونيو/ حزيران 2006.

ومن باراغواي إلى إندونيسيا، حيث فريد فقيه، وهو مدير مكافحة الهدْر الحكومي، وهي هيئة لمكافحة الابتزاز. عمل مع برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة. تمَّ توجيه تهمة السرقة لفقيه. وبدأت القصة مع تدفُّق المعونات على إندونيسيا بعد كارثة تسونامي في العام 2004؛ لكنها لم تصل كلها إلى الناجين، فقد أمر فقيه بتحويل الغذاء والدواء، ومعدّات الكمبيوتر من حظيرة للطائرات إلى مستودعيْن يديرهما. وادَّعى فقيه أنه كان يحاول تسريع عملية توزيع الإغاثة فحسب، واكتفت المحكمة بحبسه لمدة عام بتهمة النقل غير المشروع للمعونات الإغاثية.

ومن إندونيسيا إلى فيتنام، حيث نائب رئيس مكتب التفتيش في الحكومة، كووك ترونغ، الذي نُحِّيَ مؤقتاً عن العمل في يوليو/ تموز 2006 بتهمة الرشوة؛ إذ تمَّ الادِّعاء عليه بأنه كان محسوباً على المديرين التنفيذيين الفاسدين في شركة نفط مملوكة للدولة، ويقال إنه تسلَّم أكثر من 3,600 دولار، وهدايا في رأس السنة، وزجاجة من الكحول، مقابل التوصية بعقوبة محفَّفة لاختلاس المديرين 41,1 مليون دولار! صفقة بثمن بخس قدَّمها ترونغ!

ومن آسيا إلى إفريقيا التي مازالت حاضنة كبرى لأكبر عمليات الفساد وممارساته بين قارات العالم، وهذه المرة مع مدير تنفيذي بمنظمة الشفافية الدولية، فرع كينيا، ماوليمو ماني، الذي اتُّهم بمحاباة أقاربه، وتم طرده من عمله في يونيو بعد أن ظهر أنه وعد شركة خطيبته بما يساوي 200,000 دولار من العمل الاستشاري، وأعاد ماني التهمة مباشرة إلى منظمته المعروفة، متهماً رئيس مجلس المديرين في كينيا بعدد من التهم تتعلَّق بالمحاباة.

في المنطقة العربية، الطغيان والفساد، توأمان يعيشان، ويتنفسان، وينموان، ويتمدَّدان تحت أكثر من غطاء وإسناد؛ بحيث باتا عُرْفاً لا غنى عنه في بعض الممارسات اليومية لبعض الأشخاص والجهات.

وليس بمنأى عن كل أولئك، إمبراطوريات المال ومؤسساته، هي الأخرى تتداعى وتنهار بفعل الطغيان على أكثر من مستوى، وفي وجوه وعناوين ومضامين متعدِّدة؛ بفعل الفساد الذي يتحوَّل إلى عقيدة تأخذ أشكالاً ومسمَّيات وممارسات متعدِّدة.

لا أحد ولا شيء من كل ذلك يمكن له أن يمتدَّ به الزمن والعمر في ظل نهج وممارسات مثل تلك، وتلمُّس طرق وأساليب تودي بأصحابها إلى هاويات لا نهايات لها.

كل ذلك يبدأ بفرد، يلحقه أفراد. تشيع مثل تلك الممارسات إلى أن تتحوَّل عرفاً يؤسِّس كياناً محصوراً ومحدوداً، يتمدَّد إلى مؤسسات، فدول، فإمبراطوريات، والنهايات واحدة في النظر إلى العِبرة منه. المشكلة، أن العِظَة والعِبْرة غائبة أو مُغيَّبة!


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/963113.html